جَاحِدُونَ لَهُ، (بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا) (^١) أي: مَرْجِعُ الأُمُورُ كُلُّهَا إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَمَنْ يُضَلِّلُ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَمَنْ يَهْدُ (^٢) الله فلا مَضِل لهُ.
وَقَدْ يُطَلِقُ اسْمُ الْقُرْآنِ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْجَمِيعِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مََعْمَر، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "خُفِّفَت (^٣) على داود القِرَاءَةِ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَابَّتِهِ أَنْ تَسْرُجَ، فَكَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مِنْ قِبَلِ أَنْ تَُسَرْجَ دَابَّتَهُ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّاَّ مِنْ عَمَلَ يَدَيْهِ". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيِّ. (^٤)
والمُرَاد بِالْقُرْآنِ هُنَا الزُّبُورُ.
وقَوْله: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا) أَيُّ: مِنْ إِيمَانِ جَمِيعِ الْخَلْقِ وَيَعْلَمُوا أَوْ يَتَبَيَّنُوا (^٥) (أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) فإِنه ليْس ثُم (^٦) حُجَّة وَلاَ مُعْجِزَةَ أَبْلَغُ وَلَاَ أَنْجِعَ فِي النُّفُوسِ وَالْعُقُولِ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ، الَّذِي لَوْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى جَبَلٍ لِرَأَيْتِهِ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ما مِنْ نَبِيٍّ إِلَّاَّ وَقَدْ أُوتِيَ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرِ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوْتِيْتُهُ وَحَيًّا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرُهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (^٧) مَعْنَاه: أَنَّ مُعْجِزَةَ كُلِّ نَبِيٍّ انْقَرَضَتْ بِمَوْتِهِ، وَهَذَا الْقُرْآنُ حُجَّةٌ بَاقِيَةٌ عَلَى الْآبَادِ، لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلَاَ يََخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّّ، وَلاَ يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ. مِنْ تَرَكِهِ مِنْ جَبَارِ قَصْمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى مِنْ غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ.
وَقَال ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، أَنْبَأَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ) الآيَة، قَالوا لمُحَمَّدُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: لَوْ سَيِّرَتْ لَنَا جِبَالُ مَكَّةَ حَتَّى تَتَّسِعَ فَنَحْرِثُ فِيهَا، أَوْ قُطِعَتْ لَنَا (^٨) الأَرِض كَمَا كَانَ سُلَيْمَانُ يَقْطَعُ لِقَوْمِهِ بِالرِّيحِ، أَوْ أُحْيَيْتُ لَنَا الْمَوْتَى كَمَا كَانَ عِيسَى يُحْيِي الْمَوْتَى لِقَوْمِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. قَالَ: قُلْت: هَلْ تَرْوُوْنَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. (^٩)
وكذا روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: لَوْ فَعَلَ هَذَا بِقُرْآنٍ غَيْرِ قُرْآنِكُمْ، فَُعَلْ بِقُرْآنِكُمَ.
وَقَوْلهُ: (بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا) قَال ابْنُ عَبَّاس: [أيُّ] (^١٠) لا يُصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّاَّ مَا يَشَاءُ، وَلَمْ
1 في ت، أ: "فلله" وهو خطأ.
2 في ت، أ: "يهده".
3 في ت، أ: "خفف".
4 المسند (٢/ ٣١٤) وصحيح البخاري برقم (٣٤١٧).
5 في أ: "ويعلموا ويتيقنوا".
6 في أ: "ثمت".
7 صحيح البخاري برقم (٤٩٨١) وصحيح مسلم برقم (١٥٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
8 في ت، أ: "بنا".
9 ورواه ابن مردويه في تفسيرة كما في تخريج الكشاف (٢/ ١٩١) من طريق بشر بن عمارة به، وإسناده ضعيف جدا.
10 زيادة من أ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout