مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ قَبِيلَتَيْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَقُلْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْيَهُودِ إِلا عَبْدَ اللَّهِ بْن سَلام، رَضِيَ الله عنه، وَلَمْ يَكُنْ إذْ ذَاكَ نِفَاقٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ شَوْكَةٍ تَخَاف، بَلْ قَدْ كَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وََادَّعَ اليَهُودُ وَقَبَائِلُ كَثِيرَةً مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ حَوَالِي الْمَدِينَةِ، فَلَمّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرِ الْعُظْمَى وَأَظْهَرَ اللّهُ كَلِمْته، وَأَعْلَى الإِسْلَامِ وَأَهْلِهُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِيّ ابْنِ سَلُول، وَكَانَ رَأْسًا فِي الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ سَيِّدُ الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلَى أَنْ يُمَلّّكُوهُ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَهُمْ الْخَيْرُ وَأَسْلَمُوا، وَاشْتَغَلُوا عَنْهُ، فَبَقِيَ فِي نَفْسِهِ مِنَ الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ قَالَ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوََجَّه فَأَظْهَرُ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ، وَدَخَلَ مَعَهُ طَوَائِفَ مِمَّنْ هُوَ عَلَى طَرِيقَتِهِ وَنَحْلَتِهُ، وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَمَنْ ثَمّ وَُجَِد النِّفَاقُ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمِنْ حَوْلِهَا مِنْ الْأَعْرَابِ، فَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُهَاجِرُ مُكْرََهًا، بَلْ يُهَاجِرُ وَيَتْرُكُ مَالَهُ، وَوَلَدُهُ، وَأَرْضُهُ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عَكِّْرِِمَةَ، أَوْ سَعِيدِ بْنُ جَُبََيْر، عن ابْنِ عَبَّاس: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَمَنْ كَانَ عَلَى أَمْرِهِمْ.
وَكَذَا فَسََّرها بِالْمُنَافِقِينَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ.
وَلِهَذَا نَبََّه الله، سُبْحَانَهُ، عَلَى صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِظَاهِرِ أَمْرِهِمْ الْمُؤْمِنُونَ، فَيَقَعُ بِذَلِكَ فَسَادَ عَرِيضٌ مِنْ عَدَمِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُمْ، وَمَنْ اعْتِقَادِ إِيمَانِهِمْ، وَهُمْ كُفَّارٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهَذَا مِنْ الْمَحْذُورَاتِ الْكِبَارِ، أَنْ يَظُنَّ بِأَهْلِ الْفُجُورِ خََيْر، فَقَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) أَيِّ: يَقُولُونَ ذَلِكَ قَوْلًا لَيْسَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ آخَرُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المُنافِقُون: ١] أَيُّ: إِنَّمَا يَقُولُونَ ذَلِكَ إِذَا جَاؤُوكَ فَقَطْ، لَاَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ وَلِهَذَا يُؤَكِّدُونَ فِي الشَّهَادَةِ بِإِنَّ وَلَامَ التَّأْكِيدِ فِي خَبَرِهَا؛ كَمَا أَكََّّدُوا قَوْلَهُمْ: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ) وَلَيْسُ الأَمْرُ كَذَلِكَ، كَمَا أَكَّْذَبَهُمُ اللَّهُ فِي شَهَادَتِهِمْ، وَفِي خَبَرِهِمْ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اعْتِقَادِهِمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿وََاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [الْمُنَافِقُون: ١]، وبِقَوْلِهِ (وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)
وقوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) أَيُّ: بِإِظْهَارِهِمْ مَا أَظْهَرُوهُ مِنْ الْإِيمَانِ مَعَ إِسْرَارِهِمْ الْكُفْرَ، يَعْتَقِدُونَ بِجَهْلِهِمْ أَنَّهُمْ يَخْدِعُونَ اللَّهَ بِذَلِكَ، وَأَنَّ ذَلِكَ نَافِعَهُمْ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ يُرُوِّجُ عَلَيْهِ كَمَا يُرُوِّجُ عَلَى بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿َيَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المُجَادِلة: ١٨]؛ وَلهَذَا قَابَلُهُمْ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) يَقُول: ومَا يَغُُرُّونَ بِصَنِيعِهِمْ وَلَاَ يَخْدَعُونَ إِلَّاَّ أَنْفُسَهُمْ، وَمَا يَشْعِرُونَ بِذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢].
ومن القَراء مَنْ قَرَأ: "وَمَا يُخَادِعُونَ (^١) إِلا أَنفُسَهُمْ"، وَكَلا الْقِرَاءَتَيْنِ تَرْجِعُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ.
1 في جـ، ط، ب: "يخدعون".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout