[وَقَوْله: (لا يُؤْمِنُونَ) مَحَلُّهُ مِنَ الإِعْرَابِ أَنَّهُ جُمْلَةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِلَّتِي قَبْلَهَا: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) أَيُّ هُمْ كُفَّارٌ فِي كِلاَ الْحَالَيْنَ؛ فَلِهَذَا أَكَدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (لا يُؤْمِنُونَ) وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ (لا يُؤْمِنُونَ) خَبَرًا لأَنَّ تَقْدِيرَهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَاَ يُؤْمِنُونَ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) جُمْلةُ مُعْتَرِضَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ] (^١).
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾
قال السّدي: (خَتَمَ اللَّهُ) أي: طبع الله، وقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الآيَةِ: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ إِذْ أَطَاعُوهُ؛ فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غُشَاوَةٌ، فَهُمْ لَاَ يَبْصِرُونَ هُدًى وَلَاَ يَسْمَعُونَ وَلَا يَفْقَهُونَ وَلَا يَعْقِلُونَ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج: قال مجَاهِد: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) قال: نَبِئْتُ أَنَّ الذُّنُوبَ عَلَى الْقَلْبِ تَحِفُّ بِهِ (^٢) مِنْ كُلِّ نَوَاحِيهِ حَتَّى تَلْتَقِيَ عَلَيْهِ، فَالْتِقَاؤُهَا عَلَيْهِ الطَّبْعُ، وَالطَّبْعُ الْخَتْمَ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْخَتْمُ عَلَى الْقَلْبِ وَالسَّمْعَ.
قَال ابْنُ جُرَيْج: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كََثِيرِ، أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًًا يَقُولُ: الرَّّانُ أَيْسَرُ مِنَ الطَّبْعِ، وَالطَّبْعِ أَيْسَرُ مِنَ الْأَقْفَالِ، وَالْأَقْفَالِ أَشَدُّ ذَلِكَ كُلُّهِ.
وَقَالَ الأَعْمَشُ: أَرَانَا مُجَاهِدٌ بِيَدِهِ فَقَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْقَلْبَ فِي مِثْلِ هَذِهِ (^٣) -يَعنِي: الْكف-فإِذَا أَذْنَبُ الْعَبْدُ ذَنْبًًا ضُمَّ مِنْهُ، وَقَالَ بِأُصْبَعِهِ الْخِنْصَرُ هَكَذَا، فَإِذَا أَذْنَبَ ضَمّ. وَقَالَ بِأُصْبَعٍ أُخْرَى، فَإِذَا أَذْنَبَ ضُمّ. وَقَالَ بِأُصْبَعٍ أُخْرَى هَكَذَا، حَتَّى ضُمَّ أَصَابِعَهُ كُلُّهَا، ثُمَّ قَالَ (^٤): يَطبع عَلَيْهِ بِطَابِع.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا (^٥) يَرَونُ أَنَّ ذَلِكَ: الرِّينَ.
ورَوَاهُ ابْنُ جَرِيرِ: عَنْ أَبِي كَُرَيْب، عن وَكِيع، عن الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِنَحْوِهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) إخْبَارُ مِنَ اللَّهِ عَنْ تَكَبُّرِهِمَ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الِاسْتِمَاعِ لِمَّا دَُعَُوا إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ، كَمَا يُقَالُ: إِنَّ فُلَانًًا لِأَصََمَّ عَنْ هَذَا الْكَلَاَمِ، إِذَا امْتَنَعَ مِنْ سَمَاعِهِ، وَرَفَعَ (^٦) نَفْسَهُ عَنْ تَفَهُّمِهِ تَكَبُّرًُا.
قَال: وَهَذَا لاَ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَتِمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَسْمَاعِهُمْ.
(قلت): وَقَدْ أَطْنَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَقْرِيرِ مَا رَدَّهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا وَتَأَوَّلَ الْآيَةَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ جَدًٍّا، وَمَا جَرَأَهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّاَّ اعْتِزَالُهُ؛ لِأَنَّ الْخَتْمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَمَنْعَهَا مِنْ وُصُولِ الْحَقِّ إِلَيْهَا قَبِيحٌ عِنْدَهُ -تَعَالَى اللَّهُ عَنْهُ فِي اعْتِقَادِهِ-وَلَوْ فَهِمَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وقوله ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ومَا أَشْبَهُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا خَتِمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْهُدَى جَزَاءًً وِفَاقًَا عَلَى تَمَادِيهِمْ فِي الْبَاطِلِ وَتَرْكَهِمْ الْحَقُّ، وَهَذَا عَدْلٌ مِنْهُ تَعَالَى حَسَنٌ وَلَيْسَ بِقَبِيحٍ، فَلَوْ أَحَاطَ عِلْمًَا بِهَذَا لِمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَأَجْمَعْتُ الْأَمَةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْخَتْمِ وَالطَّبْعِ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ مُجَازَاةٌ لِكُفْرِهِمْ كَمَا قَالَ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ وذَكَر حَدِيثُ تَقْلِيبُ الْقُلُوبِ: "وَيَا مُقْلِبُ الْقُلُوبِ ثَبَتَ قُلُوبُنَا عَلَى دِينِكَ"، وَذَكَرَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "تَعَرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُوْدًٌا عُوْدًا فَأَيُّ قَلْبٍ أَشْرَبَهَا نَكَتَ فِيهِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ وَأَيُّ قَلْبَ أَنْكَرَهَا
1 زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
2 في جـ، ط، ب، أ، و: "وقال: الطبع ينبت الذنوب على القلب فحفت به".
3 في جـ، ط، ب، أ، و: "هذا".
4 في طـ، ب: "قال: ثم".
5 في جـ، ط، ب: "وكانوا".
6 في جـ: "يرفع".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout