وَامْتَحَنَهُمُ اللَّهُ، وَكَانَتْ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينِ. (^١)
وكان هَذا الْفَاسِقُ قَدْ حَفَرَ حَفَائِرُ فِيمَا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَوَقَعَ فِي إِحْدَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسلّم، وَأُصِيبَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَجَرَحَ فِي وَجْهِهِ وَكَُسِرِت رَبَاعِِيتُه الْيُمْنِى السُّفْلِىُّ، وشُجَّ رَأسَه، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
وَتَقَدَّمَ أَبُو عَامِرٍ فِي أَوَّلِ الْمُبَارَزَةِ إِلَى قَوْمِهِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَخَاطَبَهُمْ وَاسْتِمَالُهُمْ إِلَى نَصْرِهِ وَمُوَافَقَتِهِ، فَلَمَّا عَرَفُوا كَلَاَمَهُ قَالُوا: لاَ أَنْعُمُ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا يَا فَاسِقَ يَا عَدُوّ اللَّهِ، وَنَالُوا مِنْهُ وَسَبُّّوه. فَرَجَعَ وَهُوَ يَقُولُ: وَاَللّهِ لَقَدْ أَصَابَ قَوْمِي بَعْدِي شَر. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ دَعَاهُ إِلَى اللّهِ قَبْلَ فِرَارِهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ، فَأَبَى أَنْ يُسَلِمَ وَتَمْرَّد، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَمُوتَ بَعِيدًا طَرِيْدًا، فَنَالَتُهُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ النَّاسُ (^٢) من أَحَد، وَرَأَى أَمْرَ الرَّسُولِ، صَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ (^٣) فِي ارْتِفَاعَ وَظُهُورُ، ذَهَبَ إِلَى هِرْقْل، مِلَكَ الرُّومِ، يَسْتَنْصِرُهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسلّم، فَوَعَدَهُ وَمََنََّاه، وَأَقَامَ عِنْدَهُ، وَكَتَبَ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَالرِّيبِ يُعُدُّهُمْ وَيُمُنَِّيهِمْ أَنَّهُ سَيَقْدُمُُ بِجَيْشٍ يُقَاتِلُ بِهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَيَغْلِبُهُ وَيَرُدُّهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا لَهُ مََعَقَلًا يُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ فِيهِ مَنْ يَقَدَّمُ مِنْ عِنْدِهِ لِأَدَاءِ كَُتَُبِهِ وَيَكُونَُ مَرْصِدًًا لَهُ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَشَرَعُوا فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ مُجَاوِرٍ لِمَسْجِدٍ قُبَاءً، فَبَنُوهُ وَأَحْكَمُوهُ، وَفَرَغُوا مِنْهُ قَبْلَ خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَبُوك، وَجَاءُوا فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْهِمْ فَيُصَلِّي فِي مَسْجِدِهِمَ، لِيَحْتَجُوا بِصَلَاتِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِيهِ عَلَى تَقْرِيرِهِ وَإِثْبَاتِهِ، وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ إِنَّمَا بَنُوهُ لِلضُّعَفَاءِ مِنْهُمْ وَأَهْلُ الْعِلَّةِ فِي اللَّيْلَةِ الشَّاتِيَةِ، فَعَصَمَهُ اللَّهُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ فَقَالَ: "إِنَّا عَلَى سَفَرٍ، وَلَكِنْ إِذَا رَجَعْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ".
فلما قفل، عَلَيهِ السَّلاَمُ (^٤) راجِعًا إِلى الْمَدِينَةَ مَنْ تَبُوك، وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا يَوْمٌ أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِخَبَرِ مَسْجِدِ الضِّّرار، وَمَا اعْتَمَدَهُ بَانُوهُ مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَسْجِدِهِمْ مَسْجِدِ قُبَاءً، الَّذِي أُسَسَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ عَلَى التَّقْوَى. فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَلِكَ الْمَسْجِدِ مِنْ هََدََمِهِ قَبْلَ مُقَدَّمِهِ الْمَدِينَةِ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا [وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ]) (^٥) وهُمْ أُنَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ، ابْتَنُوا مَسْجِدًًا، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَامِر، ابْنُوا مَسْجِدًًا وَاسْتَعَدُّوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ سِلَاحٍ، فَإِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى قَيْصَرَ مِلْكِ الرُّومِ، فَآتِي بِجُنْدٍ مِنَ الرُّومِ وَأَخْرَجَ مُحَمَّدًٍا وَأَصْحَابُهُ. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْجِدِهِمْ أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: قَدْ فَرَغْنَا مِنْ بِنَاءِ مَسْجِدِنَا، فَنُحِبَ (^٦) أَنْ تُصَلِّيَ فِيهِ وَتَدْعُو لَنَا بِالْبَرَكَةِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: (لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) إِلى ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وكذا رُوي عَنْ سَعِيدِ بْنُ جَُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَار، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَيَزِيدُ بْنُ رُوْمَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ،
1 في ت، ك، أ: "للتقوى".
2 في ت، أ: "المسلمون".
3 في أ: "صلى الله عليه وسلم".
4 في أ: "صلى الله عليه وسلم".
5 زيادة من أ.
6 في ت، ك: "فتجب".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout