رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ، وَأَنَا أَقْبَلُهَا مِنْك! فَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ، وَهَلَكَ ثَعْلَبَةٌ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ (^١)
وقوله تعالى: (بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) أَيِّ: أَعْقِبُهُمُ النِّفَاقُ فِي قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ إِخْلَافِهِمْ الْوَعْدِ وَكَذَّبَهُمْ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِقُ ثَلَاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذِبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتَمِنَ خَان" (^٢) وَلَهُ شَوَاهِدٌ كَثِيرَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ) يُخْبُرُهُمْ تَعَالَى أَنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَأَنَّهُ أَعْلَمُ بِضَمَائِرِهِمْ وَإِنْ أَظْهَرُوا أَنَّهُ إِنْ حَصَلَ لَهُمْ أَمْوَالٌ تَصَدَّقُوا مِنْهَا وَشَكِرُوا عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَلَامَ الْغُيُوبِ، أَيْ: يَعْلَمُ كُلُّ غَيْبٍ وَشَهَادَةٍ، وَكُلُّ سِرٍّ وَنَجْوَى، وَيُعْلَمُ مَا ظَهَرَ وَمَا بَطَنَ.
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾
وهَذه أَيْضًا مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ: لَاَ يُسَلِّمُ أَحَدٌ مِنْ عَيْبِهِمْ وَلَمُزَهُمْ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، حَتَّى وَلاَ الْمُتَصَدِّقُونَ يُسَلِمُونَ مِنْهُمْ، إِنْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَالِ جَزِيلٍ قَالُوا: هَذَا مِرَاءً، وَإِنْ جَاءَ بِشَيْءٍ يَسِيرٌ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِي عَنْ صَدَقَةِ هَذَا. كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ:
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نَتَحَامَلُ عَلَى ظُهُورِنَا، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقَالُوا: مُرَائِى. وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِي عَنْ صَدَقَةِ هَذَا. فَنَزَلَتْ (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ) الآية.
وقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ (^٣)
وقال الإِمام أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا الْجَرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ قَالَ: وَقَفَ عَلَيْنَا رَجُلٌ فِي
1 تفسير الطبري (١٤/ ٣٧٠) وقد أنكر العلماء هذه القصة وقالوا ببطلانها، فممن قال بذلك الإمام ابن حزم، قال في المحلى (١١/ ٢٠٧، ٢٠٨): "على أنه قد روينا أثرا لا يصح وأنها نزلت في ثعلبة بن حاطب، وهذا باطل؛ لأن ثعلبة بدري معروف، ثم ساق الحديث بإسناده من طريق معان بن رفاعة عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة وقال: "وهذا باطل لا شك؛ لأن الله أمر بقبض زكوات أموال المسلمين، وأمر عليه السلام عند موته ألا يبقى في جزيرة العرب دينان فلا يخلو ثعلبة من أن يكون مسلما ففرض على أبي بكر وعمر قبض زكاته ولا بد ولا فسحة في ذلك، وإن كان كافرا ففرض ألا يبقى في جزيرة العرب فسقط هذا الأثر بلا شك، وفي رواته معان بن رفاعة، والقاسم بن عبد الرحمن وعلي بن يزيد - هو ابن عبد الملك - وكلهم ضعفاء. وللفاضل عداب الحمش رسالة في نقد هذه القصة جمع فيها أقوال أهل العلم فيها سماها "ثعلبة بن حاطب الصحابي المفترى عليه".
2 صحيح البخاري برقم (٣٣) وصحيح مسلم برقم (٥٩) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.
3 صحيح البخاري برقم (١٤١٥) وصحيح مسلم برقم (١٠١٨).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout