وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ أَيْضًا: فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرَ. وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعُمُومِ فِي الْآيَةِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ: إذَا كَانَ النَّفِيرُ إلَى دَُرُوبِ الرُّومِ نَفَرََ النَّاسُ إلَيْهَا خِفَافًا وَرُكْبَانَا، وَإِذَا كَانَ النَّفِيرُ إلَى هَذِهِ السَّوَاحِلِ نَفَرُوا إلَيْهَا خِفَافًا وَثِقَالًا رُكْبَانًا وَمُشَاةً. وَهَذَا تَفْصِيلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيِّ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فََلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ وسَيَأْتِي الْكَلَاَمُ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ قَوْلهُ: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا) يَقُول: غَنِيًا وَفَقِيرًُا، وَقُوِيًا وَضَعِيفًٌا فَجَاءَهُ رَجُلٌ يَوْمَئِذٍ، زَعَمُوا أَنَّهُ الْمِقْدَادُ، وَكَانَ عَظِيمًا سِمِينًَا، فَشَكَا إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ، فَأَبَى فَنَزَلَتْ يَوْمَئِذٍ (^١) (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا) فَلَمَا نَزَلَتُ هَذِهِ الآيَةُ اشْتَدَّ عَلَى النَّاسِ شَأْنُهَا فَنَسَخَهَا اللَّهُ، فَقَالَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التُّوبة: ٩١].
وقال ابن جَرِير: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: شَهِدَ أَبُو أَيُّوبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا ثُمَّ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ غَِزَاةٍ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَّاَّ وَهُوَ فِي آخَرِيْنَ إِلَّاَّ عَامًّا وَاحِدًًا قَالَ: وَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ يَقُولُ: قَالَ اللَّهِ: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا) فَلا أَجِدَنِي إِلاَّ خَفِيفًٌا أَوْ ثَقِيلًا (^٢)
وقال ابن جَرِير: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُمَرَ السََّّكُونِي، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، حَدَّثَنَا حَرِيز، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو رَاشِدٍ الْحَُبِْرَانِي قَال: وَافِيتُ الْمِقْدَامُ بْنُ الأَسْوَدِ فَارِسُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا عَلَى تَابُوتٍ مِنْ تَوَابِيْتِ الصَّيَارِفَةِ بِحِمْصَ، وَقَدْ فَضَلَ عَنْهَا مِنْ عَظْمِهِ، يُرِيدُ الْغَزْوَ، فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَقَالَ: أَتَتْ عَلَيْنَا سُورَةُ الْبُعُوثِ (^٣) (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا) (^٤)
وبه قال ابن جَرِير: حَدَّثَنِي حَيَّانُ بْنُ زَيْدٍ الشََّّرْعِبِي قال: نَفَرْنَا مَعَ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ وَالِيًا عَلَى حِمْصِ قِبََل الأَفْسُِوس، إِلَى الْجَرَاجِمَةِ فَلَقِيتُ شَيْخًٌا كَبِيرًا هُمَا، وَقَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ، مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، عَلَى رَاحِلَتِهِ، فِيمَنْ أَغَارَ. فَأَقْبَلْتُ إِلَيْهِ (^٥) فقُلت: يا عم، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكَ. قَالَ: فَرَفَعَ حَاجِبِيْهِ (^٦) فقال: يا ابْنُ أَخِي، اسْتَنْفَرْنَا اللَّهُ خِفَافًا وَثِقَالًا إِنَّهُ مَنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ يَبْتَلِيهِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ اللَّهُ فَيُبْقِيهِ (^٧) وَإِنَّمَا يَبْتَلِي اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ مِنْ شُكْرٍ وَصَبْرٍ وَذِكَرٍ، وَلَمْ يَعْبُدْ إِلَّا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ (^٨)
1 في أ: "فنزلت هذه الآية".
2 تفسير الطبري (١٤/ ٢٦٧).
3 في هـ، ت، د: "البعوث" والمثبت من الطبري.
4 تفسير الطبري (١٤/ ٢٦٨).
5 في ت، أ: "عليه".
6 في ت: "حاجبه".
7 في أ: "فيقتنيه".
8 رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٢٦٤).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout