الْمُشْرِكِينَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ إذَا كَانَتْ الْبُدَاءَةُ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الشََّّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [الْبقرة: ١٩٤] وقَال تعالَى: ﴿وَلا تُقَاتِِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ الآيَةُ [الْبِقَرَةُ:ُّ ١٩١]، وهَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ حِصَّارٍ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلُ الطَّائِفِ، وَاسْتِصْحَابُهُ الْحِصَّارُ إِلَى أَنَّ دَخَلَ الشَّهْرِ الْحَرَامَ، فَإِنَّهُ مَنْ (^١) تَتْمَّةُ قِتَالَ هَوَازِنَ وَأَحْلَاَفُهَا مِنْ ثَقِيفٍ، فَإِنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ ابْتَدَءُوا الْقِتَالَ، وَجَمَعُوا الرِّجَالَ، وَدَعَوْا إِلَى الْحَرْبِ وَالنَّزَالِ، فَعِنْدَمَا قَصَدَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَمَّا تَحْصَنُوا بِالطَّائِفِ ذَهَبَ إِلَيْهِمْ لِيَنْزِلَهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ، فَنَالُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلُوا جَمَاعَةً، وَاسْتَمَرَّ الْحِصَّارُ بِالْمَجَانِيقِ وَغَيْرِهَا قَرِيبًا مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَكَانَ ابْتِدَاؤُهُ فِي شَهْرٍ حَلَالٍ، وَدَخَلَ الشَّهْرُ الْحَرَامَ، فَاسْتَمَرَّ فِيهِ أَيَّامًا، ثُمَّ قَفَلَ عَنْهُمْ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَهَذَا هُوَ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ، وَلَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِنَذْكُرِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ (^٢) وَقَدْ حَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي السِّيِّرَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (^٣)
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾
هذا مما ذم اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ فِي شَرْعِ اللَّهِ بِآرَائِهِمْ الْفَاسِدَةِ، وَتَغْيِيرِهِمْ أَحْكَامُ اللَّهِ بِأَهْوَائِهِمْ الْبَارِدَةَ، وَتَحْلِيلُهِمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَتَحْرِيمُهُمْ مَا أَحَلَّ اللَّهَ، فَإِنَّهُمْ كَانَ فِيهِمْ مِنْ الْقُوَّةِ الْغَضََبِِيَة وَالشَّهَامَةِ وَالْحَمِيَّةُ مَا اسْتَطَالُوا بِهِ مُدَّةَ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ فِي التَّحْرِيمِ الْمَانِعِ لَهُمْ مِنْ قَضَاءِ أَوْطَارِهِمْ مِنْ قِتَالِ أَعْدَائِهِمْ، فَكَانُوا قَدْ أَحْدَثُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِمُدَّةِ تَحْلِيلِ الْمُحَرِمِ وَتَأْخِيرِهِ إِلَى صُفْرٍ، فَيَحِلُّونَ الشَّهْرُ الْحَرَامَ، وَيُحْرِّمُونَ الشَّهْرَ الْحَلَالَ، لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ (^٤) كما قَالَ شَاعِرُهُمْ -وَهُوَ عُمَيْرُ بْنُ قَيْسٍ الْمَعْرُوفُ -بِجَذْلِ الطَّعَانِ:
لَقَدْ عَلمت مَعد أنَّ قَومِي … كرَامُ النَّاس أنَّ لَهُمْ كِراما
ألسْنا النَّاسِئِينََ عَلِى مََعُدٍّ … شُهُورَ الحِل نَجْعلُهَا حَرَاما
فأيّ النَّاسِ لَم تُدْرَك بوتْر؟ … وَأَيِّّ النََّّاسِ لم نَُعَْلك لجَامًا؟ (^٥)
1 في ت، أ: "في".
2 كذا ولم أجد شيئا من ذلك، ورفع في هـ، ك فراغ قدر أربعة أسطر، ووصل الكلام في باقي النسخ.
3 في ك: "والحمد لله".
4 في ك، أ: "ليواطئوا عدة ما حرم الله الأشهر الأربعة".
5 انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٤٥).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout