تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسُكُمْ" (^١)
وقال سعيد بْنُ مَنْصُور: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) قال: مُحَرَّم، وَرَجَبٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحُجَّةِ.
وَقَوْلهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ: " إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ"، تَقْرِيرٌ مِنْهُ، صَلَوَات الله وَسَلامُهُ عَلَيْهِ، وَتَثْبِيتٌ لِلْأَمْرِ عَلَى مَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمٍ وَلَا تَأْخِيرٍ، وَلَا زِيَادَةَ وَلَا نَقْصٍ، وَلَا نَسِيءَ وَلَا تَبْدِيلَ، كَمَا قَالَ فِي تَحْرِيمِ مَكَّةَ: "إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ" أَيْ: الْأَمْرُ الْيَوْمَ شَرْعًا كَمَا ابْتَدَأَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ يَوْمَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: إِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: "قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ"، أَنَّهُ اتَّفَقَ أَنَّ حَجَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ السُّنَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ كَانَتْ نَسَأَتُ النَّسِيءَ، يَحْجُّونَ فِي كَثِيرٍ مِنَ السِّنِينَ، بَلْ أَكْثَرُهَا، فِي غَيْرِ ذِي الْحُجَّةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ حُجَّةَ الصِّدِّيقِ فِي سَنَةٍ تِسْعٍ كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ، كَمَا سَنُبَينُهُ إِذَا تَكَلَّمْنَا عَلَى النَّسِيءِ.
وَأَغْرَبُ مِنْهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، فِي جُمْلَةِ حَدِيثٍ: أَنَّهُ اتَّفَقَ حَجَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَاشِيَة فصل] (^٢)
ذكر الشيخ علم الدِّين السَّّخاوِيُّ فِي جُزْءِ جَمْعِهِ سَمَّاهُ "الْمَشْهُورُ فِي أَسْمَاءِ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ": أَنَّ الْمُحْرِمَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ شَهْرًا مُحَرِمًا، وَعِنْدِي أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِتَحْرِيمِهِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَتَقَلَّبُ بِهِ، فَتَحِلُّهُ عَامًّا وَتَحَرُمُهُ عَامًّا، قَالَ: وَيَجْمَعُ عَلَى مُحَرَّمَاتٍ، وَمَحَارِمَ، وَمَحَارِيمَ.
صفر: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِخُلُوِّ بُيُوتِهِمْ مِنْهُ، حِينَ يَخْرُجُونَ لِلْقِتَالِ وَالْأَسْفَارِ، يُقَالُ: "صَفِرَ المكان": إِذا خَلاَ وَيَجْمَعُ عَلَى أَصْفَارٍ كَجُمْلٍ وَأَجْمَالِ.
شَهْرِ رَبِيعٌ أَوَّلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِارْتِبَاعِهِمْ فِيهِ. وَالِارْتِبَاعُ الْإِقَامَةُ فِي عِمَارَةِ الرُّبْعِ، وَيَجْمَعُ عَلَى أَرْبِعَاءَ كَنَصِيبٍ وَأَنْصِبَاءً، وَعَلَى أَرْبَعَةٍ، كَرَغِيفٍ وَأَرْغِفَةِ.
رَبِيعٍ الْآخَرِ: كَالأَوَّلِ.
جمَادِى: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِجُمُودِ الْمَاءِ فِيهِ. قَالَ: وَكَانَتْ الشُّهُورُ فِي حِسَابِهِمْ لَاَ تَدُورَ. وَفِي هَذَا
1 رواه أحمد في مسنده (٥/ ٧٢، ٧٣) من طريق حماد بن سلمة بأطول منه.
2 زيادة من ك، أ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout