وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَلِمَأْخَذِ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ وَذَكَرَ أَدِلَّتُهَا مَكَانَ غَيْرِ هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) أي: إِنْ لمْ يُسْلِمُوا، (عَنْ يَدٍ) أَيِّ: عَنْ قَهْرِ لَهُمْ وَغَلَبَةُ، (وَهُمْ صَاغِرُونَ) أَيُّ: ذلَيلُونُ حَقِيْرُونَ مَهَانُونَ. فَلِهَذَا لَاَ يَجُوزُ إِعْزَازُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَاَ رَفْعُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، بَلْ هُمْ أَذْلَاءُ صَغَِرَةِ أَشْقِيَاءً، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لا تَبْدِءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىُّ بِالسَّلَاَمِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدُهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطُرُوهُ إِلَى أُضِيَقِهِ" (^١)
ولهذا اشْتُرِطَ عَلَيْهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، تِلْكَ الشُّرُوطُ الْمَعْرُوفَةَ فِي إِذْلَالِهِمْ وَتَصْغِيرِهِمْ وَتَحْقِيرِهِمْ، وَذَلِكَ مِمَّا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ الْحِفَّاظُ، مِنْ رِوَايَةَ (^٢) عَبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْم الأَشْعَرِيُّ قَالَ: كَتَبْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ صَالَحَ نَصَارَى مِنْ أَهْلِ الشَّامِ:
بِسْمَ اللَّهُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ لِعَبْدِ اللَّهِ عُمَرُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نَصَارَى مَدِينَةٍ كَذَا وَكَذَا، إِنَّكُمْ لَمَّا قَدَّمْتُمْ عَلَيْنَا سَأَلْنَاكُمُ الْأَمَانَ لَأَنْفُسِنَا وَذَرَارَيْنَا (^٣) وَأَمْوَالِنَا وَأَهْلُ مُلَّتِنَا وَشَرَطْنَا لَكُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا أَلا نَحْدِثُ فِي مَدِينَتِنَا وَلَا فِيمَا حَوْلَهَا دِيرًٌا وَلَا كَنِيسَةً، وَلَا قِِلَايَةَ وَلَاَ صََوْمَعةً رَاهِبٌ، وَلاَ نَجَدِّدُ مَا خَرَبَ مِنْهَا، وَلَاَ نَحْيِي مِنْهَا مَا كَانَ خَطَطٌ (^٤) الْمُسلِمِين، وَأَلاَ نَمْنَعُ كَنَائِسُنَا أَنْ يَنْزِلَهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي لَيْلٍ وَلَاَ نَهَارٍ، وَأَنْ نُوسِعَ أَبْوَابَهَا لِلْمَارَّةِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَأَنْ يَنْزِلَ مِنْ مَرَّ بِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاَثَةُ أَيَّامٍ نَطْعَمُهُمْ، وَلَا نَأْوِي فِي كَنَائِسِنَا وَلَا مَنَازِلِنَا جَاسُوسًا، وَلَاَ نَكْتُمْ غَشًَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَاَ نَعْلَمُ أَوْلَادُنَا الْقُرْآنَ، وَلَا نَظْهَرُ شَرْكًا، وَلَا نَدْعُو إِلَيْهِ أَحَدًٌا؛ وَلَا نَمْنَعُ أَحَدًٌا مِنْ ذَوِي قَرَابَتِنَا الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ إنْ أَرَادُوهُ، وَأَنَّ نُوقِرَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ نَقُومَ لَهُمْ مِنْ مَجَالِسِنَا إنْ أَرَادُوا الْجُلُوسَ، وَلَا نَتَشَبُهُ بِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ مَلَابِسِهِمْ، فِي قَلَنْسُوَةٍ، وَلَا عِمَامَةَ، وَلَا نَعْلَيْنَ، وَلَا فَرْقَ شَعْرٍ، وَلَا نَتَكَلَّمُ بِكَلَامِهِمْ، وَلَا نَكْتَنِي بَكُنََاهم، وَلَا نَرْكَبُ السُّرُوجَ، وَلَا نَتَقَلَّدُ السُّيُوفَ، وَلَا نَتَّخِذُ شَيْئًا مِنْ السِّلَاحِ، وَلَا نَحْمِلُهُ مَعَنَا، وَلَا نُنْقُشُ خَوَاتِيمَنَا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا نَبِيعَ الْخَمُورِ، وَأَنْ نَجْزَ مَقَادِيمَ رُءُوسِنَا، وَأَنْ نَلْزَمَ زَِيَنًا حَيْثُمَا كُنَّا، وَأَنَّ نَشْدَ الزَّنَانِيرِ عَلَى أَوْسَاطِنَا، وَأَلَّا نَظْهَرُ الصَّلِيبِ عَلَى كَنَائِسِنَا، وَأَلَّا نَظْهَرُ صُلْبْنَا وَلَا كَتَبْنَا (^٥) فِي شَيْء مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَاَ أَسْوَاقِهِمْ، وَلَاَ نَضْرِبُ نَوَاقِيسُنَا فِي كَنَائِسِنَا إِلَّاَّ ضَرْبًا خَفْيًا، وَأَلّا (^٦) نرْفَعُ أَصْوَاتِنَا بِالْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِنَا فِي شَيْءٍ مِنْ حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ نَخْرُجُ شَعَانَينَ وَلَاَ بَاعُوثًا، وَلاَ نَرْفَعُ أَصْوَاتِنَا مَعَ مَوْتَانَا، وَلَاَ نَظْهَرُ النِّيرَانِ مَعَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَسْوَاقِهِمْ، وَلَا نُجَاوِرُهُمْ بِمَوْتَانَا، وَلَا نَتَّخِذُ مِنْ الرَّقِيقِ مَا جَرَى عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ نَرْشُدَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا نَطْلِعُ عَلَيْهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ.
1 صحيح مسلم برقم (٢١٦٧).
2 في ت، ك، أ: "حديث".
3 في ت، أ: "وذرياتنا".
4 في ت، أ: "ما كان في خطط".
5 في أ: "صليبا ولا كساء".
6 في ت: "ولا".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout