الْغَنَائِمُ لِسُودِ الرُّؤُوسِ غَيْرُنَا" (^١)
ولهذا قال الله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوااللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذُوا مِنَ الْأُسَارَى الْفِدَاءَ.
وَقَدْ رَوَىَ الإِمَامُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ الْعِيْشِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي الْعَنْبَسِ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ فِدَاءَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِمِائَةٍ (^٢)
وقد اسْتَقَرَّ الْحُكْمُ فِي الأَسْرَى (^٣) عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِيهِمَ: إِنْ شَاءَ قُتِلَ -كَمَا فَعَلَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ -وَإِنْ شَاءَ فَادَى بِمَالٍ -كَمَا فَعَلَ بِأُسْرَى بَدْرٍ -أَوْ بِمَنْ أَسَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ -كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْجَارِيَةِ وَابْنَتِهَا اللَّتَيْنِ كَانَتَا فِي سَبْيِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، حَيْثُ رَدَّهُمَا وَأَخَذَ فِي مُقَابَلَتِهِمَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَرَقَّ مِنْ أَسْرَ. هَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ آخَرُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾
قال مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: "إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنْ أُنَاسًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ، قَدْ أَخْرَجُوا كُرْهًا، لَاَ حَاجَةَ لَهُمْ بِقِتَالِنَا، فَمَنْ لَقِيَ (^٤) مَنْكُمْ أَحَدًا مِنْهُمْ -أَيْ: مِنْ بَنِي هَاشِمٍ -فَلاَ يَقْتُلُهُ، وَمَنْ لَقِيَ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بْنِ هِشَامٍ فَلَاَ يَقْتُلُهُ، وَمَنْ لَقِيَ الْعَبَّاسَ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَلَاَ يَقْتُلُهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَخْرَجَ مُسْتَكْرَهَا". فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ: أَنْقْتُلُ آبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانُنَا وَعَشَائِرُنَا وَنَتْرُكُ الْعَبَّاسَ؟! وَاَللّهِ لَئِنْ لَقِيتَهُ لَأَلْجَمَنَّهُ بِالسَّيْفِ؟ فَبَلَغَتْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسلّم، فَقَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: "يا أَبَا حَفْصٍ" -قال عُمر: وَاَللّهِ إِنَّهُ لِأَوَّلِ يَوْمٍ كِنَانِي فِيهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ"أَيَضْرِبُ وَجْهُ عَمّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالسَّيْفِ؟ " فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذِنْ لِي فَأَضْرَبُ عُنُقَهُ، فَوَاَللّهِ لَقَدْ نَافَقَ. فَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: وَاَللّهِ مَا آمَنَ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي قُلْت، وَلاَ أَزَالَ مِنْهَا خَائِفًا، إِلَّا أَنْ يُكَفِّرَهَا اللَّهُ عَنِّي بِشَهَادَةٍ. فَقَتَلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
1 رواه الترمذي في السنن برقم (٣٠٨٥) من طريق معاوية بن عمرو عن زائدة، عن الأعمش به نحوه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث الأعمش".
2 سنن أبي داود برقم (٢٦٩١).
3 في د، ك، أ: "الأسارى"
4 في أ: "شهد".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout