وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ بَعْضِ بَنِي سَاعِدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنَ رَبِيعَةَ بَعْدَمَا أُصِيبَ بَصَرُهُ يَقُولُ: لَوْ كُنْتُ مَعَكُمُ الْآنَ بِبَدْرٍ وَمَعِي بَصْرِي، لَأَخْبَرَتُكُمْ بِالشَّعْبِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلائِكَةُ لَا أَشُكُّ وَلَاَ أَتَمَارَى (^١)
فلما نَزَلْتُ الْمَلاَئِكَةُ وَرَآهَا إِبْلِيسَ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ: أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبَتُوا الَّذِينَ آمَنُوا، وَتَثْبِيَتُهُمْ أَنَّ الْمَلائِكَةَ كَانَتْ تَأْتِي الرَّجُلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ يَعْرِفُهُ، فَيَقُولُ لَهُ: أَبْشِرُ فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ، وَاَللَّهُ مَعَكُمْ، كُرُوا عَلَيْهِمْ. فَلَمَّا رَأَى إِبْلِيسَ الْمَلَائِكَةِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَقَالَ: (إِِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ) وهُو فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ، وَأَقْبَلَ أَبُو جَهْلٍ يَحْضُضُ أَصْحَابَهُ وَيَقُولُ: لَاَ يَهَولُنَّكُمْ خُذْلَانِ سِرَاقَةُ إِيَّاكُمَ، فَإِنَّهُ كَانَ عَلَى مَوْعِدٍ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّاتُ وَالْعُزَّى لَاَ نَرْجِعُ حَتَّى نَقَرَنَ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابُهُ فِي الْحِبَالِ، فَلَاَ تَقْتُلُوهُمْ وَخُذُوهُمْ أَخْذًُا. وَهَذَا مِنْ أَبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ لِلسُّحْرَةِ لَمَّا أَسْلَمُوا: ﴿إِِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ [الأعراف: ١٢٣]، وكقوله ﴿إِِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١]، وهو مَنْ بَاب الْبَهْتِ وَالِافْتِرَاءُ، وَلِهَذَا كَانَ أَبُو جَهْلٍ فَرْعَوْنَ هَذِهِ الْأَمَةَ.
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبَلَةَ (^٢) عَن طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كََرِِيزِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ما رُئِيَ إِبْلِيسَ فِي يَوْمٍ هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَاَ أَحْقُرُ وَلَاَ أَدْحَرُ وَلَاَ أُغِيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَذَلِكَ مِمَّا يَرَى مِنْ تَنْزِلِ الرَّحْمَةِ وَالْعَفْوِ عَنِ الذُّنُوبِ إِلَّاَّ مَا رَأَى يَوْمَ بَدْرً". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ؟ قَالَ: "أَمَّا إِنَّهُ رَأَى جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلامُ، يَزِغُ الْمَلائِكَةُ" (^٣)
هذا مرسل مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وقَوْله: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ) قال عَلِي بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: لَمَّا دَنَا الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضِ قَلَلَ اللَّهِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَعْيُنِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَلَّلَ الْمُشْرِكِينَ فِي أَعْيُنِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: (غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ) وإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ مِنْ قِلْتِهِمْ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَظَنُّوا (^٤) أَنهُمْ سَيَّهْزِمُونَهُمْ، لَاَ يَشْكُونَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ اللَّهُ: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
وقال قتادَةَ: رَأَوْا عِصَابَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ تَشَدَّدْتُ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَذَكَرَ لَنَا أَنَّ أَبَا جَهْلٍ عَدُوَّ اللَّهِ لَمَّا أَشْرَفَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ قَالَ: وَاَللَّهِ لَاَ يَعْبُدُوا اللَّهَ بَعْدَ الْيَوْمِ، قِسْوَةً وَعَتْوَا.
1 انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٦٣٣).
2 في ك: "علية".
3 الموطأ (١/ ٤٢٢) وانظر كلام الإمام ابن عبد البر عن هذا الحديث في: التمهيد (١/ ١١٥).
4 في أ: "وظنوا".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout