وَنَسْتَقِي الْحَيَاضَ فَيَكُونُ لَنَا مَاءٌ وَلَيْسَ لَهُمْ مَاءً. فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَعَلَ كَذَلِكَ (^١)
وفِي مَغَازِي " الأُمْوِيُّ" أَنَّ الْحُبَابَ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ نَزَلَ مِلْكٌ مِنَ السَّمَاءِ وَجِبْرِيلُ جَالِسٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَقَالَ ذَلِكَ الْمِلْكُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَاَمُ وَيَقُولُ لَكَ: إِنَّ الرَّأْيَ مَا أَشَارَ بِهِ "الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ" (^٢) فَالتَفَتُ رَسُولَ اللَّهِ [صلى الله عليه وسلم] (^٣) إلى جبْرِيل، عَلَيْهِ (^٤) السلام، فقَال: هَلْ تَعْرِفُ هَذَا؟ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا كُلُّ الْمَلاَئِكَةِ أَعْرِفُهُمْ، وَإِنَّهُ مِلَكٌ وَلَيْسَ بِشَيْطَانٍ.
وَأَحْسَنُ مَا فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ صَاحِبُ "الْمَغَازِي"، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: بَعَثَ اللَّهُ السَّمَاءَ -وَكَانَ الْوَادِي دَهْسًا -فَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مَا لَبِدَ لَهُمْ الْأَرْضَ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنَ الْمَسِيرِ، وَأَصَابَ قُرَيْشًا مَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَرْتَحِلُوا مَعَهُ (^٥)
وقال مجاهِد: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَطَرُ قَبْلَ النَّعَاسِ، فَأَطْفَأَ بِالْمَطَرِ الْغُبَارِ، وَتَلَبَّدَتْ بِهِ الْأَرْضَ، وَطَابَتْ نُفُوسَهُمْ (^٦) وَثَبَتَتَ بِهِ أَقْدَامُهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَصَابَنَا مِنَ اللَّيْلِ طش (^٧) مِن الْمَطَرِ -يَعْنِي اللَّيْلَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي صَبِيحَتِهَا وَقْعَةُ بَدْرٍ -فَانْطَلَقْنَا تَحْتَ الشَّجَرِ وَالْحََجَِف نَسْتَظِلُّ تَحْتَهَا مِنَ الْمَطَرِ. وَبَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو رَبَّهَ: "اللَّهُم إِنَّ تَهْلَكَ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا تَعْبُّدُ فِي الأَرْضِ"! فَلَمَّا أَنَّ طَلَعَ الْفَجْرَ، نَادِى: "الصلاة، عبادُ الله"، فَجَاءَ النَّاسُ مَنْ تَحْتِ الشَّجَرِ وَالْحَجَفِ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، وَحَرِضَ عَلَى الْقِتَالِ.
وَقَوْله: (لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) أي: مِنْ حَدَّثَ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرُ، وَهُوَ تَطْهِيرٌ (^٨) الظاهر (وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ) أيِّ: مَن وَسْوسَةَ أَوْ (^٩) خَاطِر سَيْئ، وَهُوَ تَطْهِيرُ الْبَاطِنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ أَهْلِ الْجَنَّةِ: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ فَهَذَا زِينَةُ الظَّاهِرُ ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإِنسان: ٢١] أَيِّ: مُطَهِّرًا لَمَّا كَانَ مِنْ غَلٍّ أَوْ حَسَدٍ أَوْ تَبَاغُضَ، وَهُوَ زِينَةُ الْبَاطِنِ وَطَهَارَتُهُ.
(وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ) أي: بالصَّبْرِ وَالْإِقْدَامُ عَلَى مُجَالَدَةِ الأَعْدَاءِ، وَهُوَ شَجَاعَةُ الْبَاطِنِ، (وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ) وهُو شَجَاعَةُ الظَّاهِرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
1 في م: "ذلك".
2 ورواه الواقدي في المغازي (١/ ٥٤) إلى هذا الموضع. فقال: "حدثني ابن أبي حبيبة، عن رواد بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نزل جبريل. . فذكره".
3 زيادة من ك، م، أ.
4 في ك: "عليهما".
5 السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٦٢٠).
6 في ك، م: "طابت به أنفسهم".
7 في ك، م: "طس".
8 في م: "طهارة".
9 في م: "و".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout