عَزَّ وَجَلَّ؟ لَئِنْ لَمْ تَقْبَلُوا التَّوْرَاةَ بِمَا فِيهَا، لِأَرْمَيْنِكُمْ بِهَذَا الْجَبَلِ. قَالَ: فَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ قَالَ: لَمَّا نَظَرُوا إلَى الْجَبَلِ خَرَّ كُلُّ رَجُلٍٍ سَاجِدًٌا عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْسَرِ، وَنَظَرَ بِعَيْنِهِ الْيُمْنَى إلَى الْجَبَلِ، فَرْقًَا مِنْ أَنْ يَسْقُطَ [عَلَيْهِ] (^١) فَكَذَلكَ لَيْسَ الْيَوْمَ فِي الأَرْضِ يَهُودِيٌّ يَسْجُدُ إِلَّاَّ عَلَى حَاجِبِهِ الأَيْسَرِ، يَقُولُونَ: هَذِهِ السَّجْدَةَ الَّتِي رَفَعَتْ بِهَا الْعُقُوبَةَ. قَالَ أَبُو بَكْر: فَلَمَّا نَشَرَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا كِتَابُ اللَّهِ كَتَبَهُ بِيَدِهِ، لَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ جَبَلٌ وَلَا شَجَرٌ وَلَا حَجَرَ إِلَّا اهْتُزَ، فَلَيْسَ الْيَوْمَ يَهُودِيٌّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ صَغِيرٌ، وَلَاَ كَبِيرً، تُقْرَأُ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ إِلَّاَّ اهْتَزَّ وَنَفْضَ لَهَا رَأْسَهُ. [أَيْ: حَرِّكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ [الإِسراء: ٥١] أَيْ يَحَرِكُونَهَا] (^٢)
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾
يخْبَرُ تَعَالَى أَنَّهُ اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةُ بَنِي آدَمَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ، شَاهِدَيْنِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّ اللَّهَ رَبَّهُمْ وَمَلِيكُهُمْ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّاَّ هُوَ. كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى فِطْرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَلَهُمْ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] وَفِي الصَّحِيحِيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "كُلُّ مَوْلُودٌ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ -وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ -فَأَبَوَاهُ يَهَودَانِهُ، وَيُنْصِرَانِهِ، وَيَمْجِسَانِهِ، كَمَا تَوَلَّدَ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةِ جَمْعَاءً، هَلْ تَحْسُوْنَ فِيهَا مِنْ جُدْعَاءَ" وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَّارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "يَقُولُ اللَّهُ [تَعَالَى] (^٣) إنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حَنْفَاءَ فَجَاءَتْهُمْ (^٤) الشياطِين فَاجْتَالَتُهُمْ، عَنْ دِينِهِمْ وَحَرِّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ" (^٥)
وقال الإِمام أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى: أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ حَدَّثَهُمْ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ سُرَيْعٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعُ غَزَوَاتٍ، قَالَ: فَتَنَاوَلَ الْقَوْمُ الذُّرِّيَّةَ بَعْدَ مَا قَتَلُوا الْمُقَاتِلَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "ما بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَاوَلُونَ الذُّرِّيَّةَ؟ " قَالَ رَجُل: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُلَيْسُوا أَبْنَاءَ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: "إِنَّ خِيَارُكُمْ أَبْنَاءُ الْمُشْرِكِينَ! أَلَا إِنَّهَا لَيْسَتْ نِسَمَةً تُوَلَّدَ إِلَّاَّ وَلَدَتْ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَمَا تُزَالُ عَلَيْهَا حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهَا لِسَانَهَا، فَأَبَوَاهَا يَهَوِّدَانِهَا أَوْ (^٦) يَنْصِرَانِهَا". قَالَ الْحَسَنُ: وَاَللَّهِ لَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ]) (^٧) الآية (^٨)
1 زيادة من ك، أ.
2 زيادة من ك، م.
3 زيادة من ك، م.
4 في م: "فجاءت".
5 صحيح مسلم برقم (٢٨٦٥)، وسبق تخريجه هو والذي قبله عند الآية: ٣٠.
6 في م: "و".
7 زيادة من أ.
8 تفسير الطبري (١٣/ ٣٢١).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout