وَقَالَ السُّدِّي: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) يقول: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) كَمَا خَلَقْنَاكُمْ، فَرِيقٌ مُهْتَدُونَ وَفَرِيقُ ضَلاَلً، كَذَلِكَ تَعُودُونَ وَتُخْرُجُونَ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) قال: إِن اللَّه تَعَالَى بَدَأَ خَلْقَ ابْنِ آدَمَ مُؤْمِنًٌا وَكَافِرًَا، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] (^١) ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التَّغَابِنُ: ٢] ثُمَّ يُعِيدُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا بَدَأَهُمْ (^٢) مُؤْمِنًا وَكَافِرًَا.
قُلت: وَيَتَأَيَّدُ هَذَا الْقَوْلُ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " فَوَاَلَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدُكُمْ لِيَعْمَلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا بَاعَ -أَوْ: ذِرَاعٌ -فَيَسْبِقُ (^٣) عليه الكِتَاب، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنْ أَحَدَكُمْ لِيَعْمَلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا بَاعَ -أَوْ: ذِرَاعٌ -فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيُعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ" (^٤)
وقال أبو الْقَاسِمِ البَغَوِي: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجََعَْدِ، حَدَّثَنَا أَبُو غََسَّان، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إِنَّ الْعَبْدَ لِيَعْمَلَ -فِيمَا يَرَى النَّاسُ -بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَإِنَّهُ لِيَعْمَلَ -فِيمَا يَرَى النَّاسُ -بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ" (^٥)
هذا قطعة مِنْ حَدِيثِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرَّف الْمَدَنِيُّ، فِي قِصَّةِ "قُزْمان" يَوْم أُحُدٍ (^٦)
وقال ابن جَرِير: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ": تُبْعَثُ كل نَفْسٍ عَلى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ".
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ. وَلَفْظُهُ: "يَبْعَثُ كُلَّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ" (^٧)
قلت: ولا بد مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ -إِنْ كَانَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْآيَةِ -وَبَيْنَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] ومَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كُلُّ مَوْلُودٌ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يَُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه" (^٨) وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَِيَاضِ بْنِ حِمََارٍ (^٩) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي خَلِقْتُ عَبَّادِي حُنَفََاء، فَجَاءَتَهُمْ الشَّيَاطِينَ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ" الْحَدِيثَ. وَوَجْهُ
1 زيادة من أ.
2 في ك، أ: "بدأ خلقهم".
3 في ك: "ويسبق".
4 صحيح البخاري برقم (٣٢٠٨).
5 ورواه البغوي في تفسيره (٣/ ٢٢٤) من طريق عبد الرحمن بن أبي شريح، عن أبي القاسم البغوي به.
6 صحيح البخاري برقم (٦٦٠٧، ٦٤٩٣).
7 تفسير الطبري (١٢/ ٣٨٤) وصحيح مسلم برقم (٢٨٧٨) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٣٠).
8 صحيح البخاري برقم (١٣٨٥) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٨).
9 في أ: "حماد".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout