لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: أَلَا تُسْمَعُ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ (^١) صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ (^٢).
وقد رواه -أيضًا-مع مُسْلِم، وَأَبِي دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهِ (^٣).
وقد جاء فِي الِاسْتِعَاذَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةً يَطُولُ ذَكَرَهَا هَاهُنَا، وَمَوْطِنُهَا كِتَابُ الْأَذْكَارِ وَفَضَائِلُ الْأَعْمَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَُوَِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَاَمُ، أَوَّّلَ مَا نَزَلَ بِالْقُرْآنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِالِاسْتِعَاذَةِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ:
حَدَّثَنَا أَبُو كَُرَيْب، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو رُوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اسْتَعَذَ. قَالَ: " أَسْتَعِيذُ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " ثُمَّ قَالَ: قُل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿اقِْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قال عبد الله: وَهِي أَوَّلُ سُورَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، بِلِسَانِ جِبْرِيلَ (^٤). وهَذَا الأَثَرُ غَرِيبٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِيُعْرِفَ، فَإِنَّ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفًَا وَانْقِطَاعًُا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةً: وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَتْ بِمُتَحَتِّمَةٍ يَأْثَمُ تَارِكُهَا، وَحَكَى فَخْرُ الدَّيْنِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وُجُوبُهَا فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا كُلَّمَا أَرَادَ الْقِرَاءَةَ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا تَعَوَّذَ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي عُمْرِهِ فَقَدْ كَفَى فِي إِسْقَاطِ الْوُجُوبِ، وَاحْتَجَّ فَخْرُ الدَّيْنِ لِعَطَاءٍ بِظَاهِرِ الْآيَةِ: ﴿فَِاسْتَعِذْ﴾ وَهُوَ أَمْرٌ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَبِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهَا تَدْرَأُ شَرُّ الشَّيْطَانِ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَلِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ أَحْوَطُ وَهُوَ أَحَدُ مَسَالِكِ الْوُجُوبِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ أَمَتِهِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَتَعَوَّذُ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَيَتَعَوَّذُ لِقِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ، يَجْهَرُ بِالتَّعَوُّذِ، وَإِنْ أُسَرَ فَلَا يَضُرُّ، وَقَالَ فِي الْأُمِّ بِالتَّخْيِيرِ لِأَنَّهُ أَسَرَ ابْنُ عُمَرَ وَجَهْرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا عَدَا الرَّكْعَةَ الْأُولَى: هَلْ يُسْتَحَبُّ التَّعَوُّذُ فِيهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَرَجَّحَ عَدَمُ الِاسْتِحْبَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِذَا قَالَ الْمُسْتَعِيذُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ كَفَى ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَزَادَ (^٥) بعضهم: أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعَ الْعَلِيمِ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمَ، قَالَهُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقُولُ: أَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ لِمُطَابَقَةِ أَمْرِ الْآيَةِ وَلِحَدِيثِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ، وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ، أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مِنْ هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةً: ثُمَّ الِاسْتِعَاذَةُ فِي الصَّلَاةِ إنَّمَا هِيَ لِلتِّلَاوَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ:
1 في جـ، ط: "النبي".
2 صحيح البخاري برقم (٦١١٥).
3 صحيح مسلم برقم (٢٦١٠) وسنن أبي داود برقم (٤٧٨١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٢٢٤، ١٠٢٢٥).
4 تفسير الطبري (١/ ١١٣).
5 في أ: "وقرأ".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout