فِي السَّمَاءِ. وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ عَنْ عَِكْرِِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاس: (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) يَقُول: فَكَمَا لاَ يَسْتَطِيعُ ابْنَ آدَمَ أَنْ يَبْلُغَ السَّمَاءَ، فَكَذَلِكَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْخُلَ التَّوْحِيدَ وَالْإِيمَانُ قَلْبَهُ، حَتَّى يَدْخُلَهُ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ.
وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) كَيْفَ يَسْتَطِيعُ مَنْ جَعَلَ اللَّهُ صَدْرَهُ ضَيِّقًا أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: وَهَذَا مِثْلُ ضَرَبَهِ اللَّهُ لِقَلْبِ هَذَا الْكَافِرِ فِي شِدَّةِ تَضِيُّقِهِ إيَّاهُ عَنْ وُصُولِ الْإِيمَانِ إلَيْهِ. يَقُولُ: فَمِثْلُهُ فِي امْتِنَاعِهِ مِنْ قَبُولِ الْإِيمَانِ وَضِيِّقِهِ عَنْ وُصُولِهِ إلَيْهِ، مِثْلُ امْتِنَاعِهِ مِنْ الصُّعُودِ إلَى السَّمَاءِ وَعَجْزِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ وَطَاقَتِهُ.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) يَقُول: كَمَا يَجْعَلُ اللَّهُ صَدْرَ مَنْ أَرَادَ إِضْلَاَلَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا، كَذَلِكَ يُسَلِّطُ اللَّهُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَمْثَالِهِ مِمَّنْ أَبَى الإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَيُغَوِّيهِ وَيَصُدُّهُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (^١).
قال ابن أبِي طلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الرَّجِسِ: الشَّيْطَانِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الرَّجْسُ: كُلُّ مَا لَاَ خَيْرَ فِيهِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الرَّجِسُ: الْعَذَّابُ.
﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾
لما ذكر تعالى طَرِيقَةُ (^٢) الضالين عن سَبِيلِه، الصَّادِّينَ عَنْهَا، نَبَّهَ عَلَى أَشْرَفِ مَا أَرَْسَلَ بِهِ رَسُولُهُ مِنَ الْهُدَىِ وَدِيْنِ الْحَقِّ (^٣) فقال: (وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا) مَنْصُوبُ عَلِى الْحَالِ، أَيْ: هَذَا الدِّيْنُ الَّذِي شَرَعْنَاهُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ، وَهُوَ صِرَاطُ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ [رضِي الله عنه] (^٤) فِي نَعْتَ الْقُرْآنِ: "هُوَ صِرَاطُ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَحَبِلَ اللَّهِ الْمَتِينَ، وَهُوَ الذَّكَرُ الْحَكِيمُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ بِطُولِهِ (^٥).
(قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ) أي: [قد] (^٦) وضَحْنَاهَا وَبَيْنَاهَا وَفَسَّرْنَاهَا، (لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) أي: لَمَنَّ لَهُ فهُمْ وَوَعِي يَعْقِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
(لَهُمْ دَارُ السَّلامِ) وهي: الجنة، (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي: يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَإِنَّمَا وَصَفَ اللَّهُ الْجَنَّةَ هَاهُنَا بِدَارِ
1 تفسير الطبري (١٢/ ١١٠).
2 في أ: "طريق".
3 في أ: "الهدى".
4 زيادة من أ.
5 سنن الترمذي برقم (٢٩٠٨) وقد تقدم إسناده في فضائل القرآن. وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول، وفي حديث الحارث مقال".
6 زيادة من م، أ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout