هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكً، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: وَهُوَ مَحْكِي عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُِسَيَّب، وعَطَاء، وطاوس، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَأَبِي مَالِك، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وَنَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَرْغِينَانِيُّ فِي كِتَابِهِ "الْهِدَايَةِ" الإِجْمَاعُ -قَبِلَ الشَّافِعِيُّ عَلَى تَحْرِيمِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا، فَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالْمَشَايِخُ: لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِجَوَازِ بَيْعِهِ لَمْ يَنْفُذْ لِمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَرِيبٌ جَدًٍّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ عَمَّنْ قَبْلَ الشَّافِعِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: مَنْ حَرُمَ ذَبِيحَةَ النَّاسِي، فَقَدْ خَرَجَ مِنْ قَوْلِ جَمِيعِ الْحُجَّةِ، وَخَالَفَ الْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ (^١)
يعنِي ما رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ الطَّرَسُوسِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَِكْرِِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، إِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحَ، فَلْيَذْكُرْ اسْمُ اللَّهِ وَلْيَأْكُلَهُ" (^٢)
وهذا الحَدِيثُ رَفَعَهُ خَطَأً، أَخْطَأَ فِيهِ مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجُزَيْرِيُّ (^٣) فإِنهُ (^٤) وإِنْ كَانَ مِنْ رِجَالٍ مُسْلِمٍ إِلَّاَّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحَمَيْدِيِّ رَوَيَاهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ عَِكْرِِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِنْ قَوْلِهِ. فَزَادَا فِي إِسْنَادِهِ "أَبَا الشَّعْثَاءِ"، وَوَقَفًا (^٥) والله [تعالى] (^٦) أعلم. وهَذَا أَصَحُّ، نَصَّ عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ [وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ] (^٧)
وقد نَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ. عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُمَا كَرْهًا مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ نِسْيَانًا، وَالسَّلَفُ يُطْلِقُونَ الْكَرَاهِيَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ كَثِيرًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. إِلَّاَّ أَنَّ مِنْ قَاعِدَةِ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ قَوْلُ الْوَاحِدِ وَلَا الِاثْنَيْنِ مُخَالِفًا لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ، فَيُعِدُّهُ إجْمَاعًا، فَلْيُعْلَمْ هَذَا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وََكَِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ جََهِِيرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سُئِلَ الْحَسَنَ، سَأَلَهُ رَجُلٌ أَتَيْتُ بِطَيْرٍ كَرًى (^٨) فمِنْهُ مَا قَدْ ذَبَحَ فَذَكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ مَا نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَطَ الطَّيْرُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: كُلُّهُ، كُلُّهِ. قَالَ: وَسَأَلْتُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ [تَعَالَى] (^٩) (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)
واحتج لهَذا الْمَذْهَبِ بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طُرُقٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي ذَرٍّ (^١٠) وعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتَكْرَهُوا عَلَيْهِ" (^١١) وفِيه نظر، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَوَىَ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ، مِنْ حَدِيثِ مَرْوَانَ بْنِ سَالِمٍ الْقَرْقَسَانِيُّ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ
1 تفسير الطبري (١٢/ ٥٣).
2 السنن الكبرى (٩/ ٢٤٠).
3 في م: "الخوزني"، وفي أ: "الجزري".
4 في م: "وإنه".
5 في م، أ: "ووقفاه".
6 زيادة من م.
7 زيادة من م، أ.
8 في م، أ: "بطير كذا".
9 زيادة من م، أ.
10 في م: "وعن أبي ذر".
11 رواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٠٤٥) من طريق الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس، رضي الله عنه، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٠٤٤) من طريق قتادة، عن زرارة بن أبي أوفى، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٠٤٣) من طريق أبي بكر الهذلي، عن شهر بن حوشب، عن أبي ذر الغفاري، رضي الله عنه. قال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٣٠): "إسناده ضعيف". ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣٥٦) من طريق ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن عقبة بن عامر، رضي الله عنه، أما من حديث عبد الله بن عمرو فلم أجده، وقد جاء من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٥٢).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout