بْنُ قَيْسَ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى مُحَمَّدٍ، لَعَلْنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ! فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتُ أَنَا أَحْبَارُ يَهُودُ وَأَشْرَافُهُمْ وِسَادَاتُهُمْ، وَإِنَّا إِنْ اتَّبَعْنَاكَ اتَّبَعْنَا يَهُودُ وَلَمْ يُخَالِفُونَا، وَإِنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا خُصُومَةً (^١) فَنَحَاكِمُهُمْ إِلَيْكَ، فَتَقْضِيَ لَنَا عَلَيْهِمْ، وَنُؤْمِنُ لَك، (^٢) وَنُصَدِّقُك! فَأَبِى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فِيهِمَ: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) إلى قوله: (لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) روَاهُ ابْنُ جَرِيرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَوْلُهُ: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) يُنْكِرُ تَعَالَى عَلَى مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ الْمَُحِْكََم الْمُشْتَمِلِ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، النَّاهِي عَنْ كُلِّ شَرٍّ وَعَدْلٍ إِلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ، الَّتِي وَضَعَهَا الرِّجَالُ بِلَاَ مُسْتَنِدٍ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ، كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحْكُمُونَ بِهِ مِنَ الضَّلَاَلَاتِ وَالْجَهَالَاتِ، مِمَّا يَضَعُونَهَا (^٣) بِآرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، وَكَمَا يُحْكَمُ بِهِ التّتَارُ مِنَ السِّيَاسَاتِ الْمِلْكِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ مِلْكِهِمْ جُنْكَزِخَانِ، الَّذِي وُضِعَ لَهُمْ الْيَسَاقَ (^٤) وَهُو عِبَارَةُ عَنْ كِتَابٍ مَجْمُوعٍ مِنْ أَحْكَامٍ قَدْ اقْتَبَسَهَا عَنْ شَرَائِعَ شَتَّى، مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمِلَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَفِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ أَخَذَهَا مِنْ مُجَرَّدِ نَظَرِهِ وَهَوَاهُ، فَصَارَتْ فِي بَنِيهِ شَرْعًَا مُتَّبَعًًا، يُقَدِّمُونَهَا عَلَى الْحُكْمِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم. وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَهُوَ كَافِرٌ يَجِبُ قِتَالُهُ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [صلى الله عليه وسلم] (^٥) فَلا يَحْكُمُ سِوَاهُ (^٦) فِي قَلِيل وَلاَ كَثِير، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) أَيِّ: يَبْتَغُونَ وَيُرِيدُونَ، وَعَنْ حُكْمِ اللَّهِ يَعْدِلُونَ. (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) أَيِّ: وَمَنْ أَعْدَلُ مِنَ اللَّهِ فِي حُكْمِهِ لِمَنْ عََقُلَّ عَنِ اللَّهِ شَرَعَهُ، وَآمَنَ بِهِ وَأَيْقَنَ وَعُلِمَ أَنَّهُ تَعَالَى أَحْكَمَ الْحَاكِمِينَ، وَأَرْحَمَ بِخَلْقِهِ (^٧) مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْعَالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْعَادِلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ فَيَاضٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ النَّاجِيُّ (^٨) قَال: سَمِعْتُ الْحَسَنُ يَقُولُ: مَنْ حُكَمَ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ، فَحُكْمُ الْجَاهِلِيَّةِ [هو] (^٩)
وَأَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قِرَاءَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نََجِِيحٍ قَالَ: كَانَ طَاوُسٌ إِذَا سَأَلَهُ رَجُلٌ: أَفْضَِّل بَيْنَ وَلَدِي فِي النَّحِْلِ؟ قَرَأً: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ]) (^١٠)
وقال الحَافِظ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نََجِْدَةَ الْخُوطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "أَبْغَضَ النَّاسَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَطَالِبُ دَمُ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُرِِيَق دَمَهُ". وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِإِسْنَادِهِ (^١١) نحوه. (^١٢)
1 في ر: "حكومة".
2 في أ: "بك".
3 في أ: "بما صنعوا".
4 في ر، أ: "الياسق".
5 زيادة من ر.
6 في أ: "بسواه".
7 في د: "بعباده".
8 في د، أ: "الباجي".
9 زيادة من ر، أ.
10 زيادة من ر، د، أ.
11 في ر، أ: "بزيادة".
12 المعجم الكبير (١٠/ ٣٧٤) وصحيح البخاري برقم (٦٨٨٢).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout