الْجَنَّةُ، وَخَابَ الْقَاتِلِ وَرَجَعَ بِالصَّفْقَةِ الْخَاسِرَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ) أَي: وَاقْصَصُّ عَلَى هَؤُلاَءِ الْبُغَاةُ الْحَسْدَةُ، إِخْوَانُ الْخَنَازِيرِ وَالْقُرْدَةُ مِنْ الْيَهُودِ وَأَمْثَالِهِمْ وَأَشْبَاهِهُمْ-خَبَرُ ابْنَي (^١) آدم، وهُمَا هَابِيلُ وَقَابِيلُ فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ.
وَقَوْلُهُ: (بِالْحَقِّ) أي: على الْجَلِيَّةِ وَالأَمْرُ الَّذِي لَاَ لُبْسَ فِيهِ وَلَاَ كَذِبَ، وَلَاَ وََهْم وَلَاَ تَبْدِيلَ، وَلَاَ زِيَادَةَ وَلَاَ نُقْصَانَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عِمْران: ٦٢] وقَالَ تَعَالَى: ﴿نََحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣] وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ] (^٢)﴾ [مرِيم: ٣٤]
وكَان مَنَّ خَبَرَهُمَا فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ قَدْ شَرِعَ لِآدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يُزَوِّجَ بَنَاتَهُ مِنْ بَنِيهِ لِضَرُورَةِ الْحَالِ، وَلَكِنْ قَالُوا: كَانَ يَُوَلََدُ لَهُ فِي كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، فَكَانَ يُزَوِّجُ أُنْثَى هَذَا الْبَطْنِ لِذِكْرِ الْبَطْنِ الْآخَرِ، وَكَانَتْ أُخْتُ هَابِيلَ دَِمِيمَةًً، وَأُخْتَ قَابِيلَ وَضَيْئَةًً، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْثِرَ بِهَا عَلَى أَخِيهِ، فَأَبَى آدَمَ ذَلِكَ إِلَّاَّ أَنْ يَقْرُبَا قُرْبَانًِا، فَمَنْ تُقْبَلُ مِنْهُ فَهِيَ لَهُ، فَقُرْبًا فَِتُقُبِّل مِن هَابِيلَ وَلَمْ يَتََقََبََّل مِنْ قَابِيلَ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ.
ذِكَرَ أَقْوَالَ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا:
قال السُّدي -فِيما ذَكَرَ-عَنُ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مَُرَّة، عَن ابْنِ مَسْعُودٍ-وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أَنَّهُ كَانَ لَا يُولَدُ لِآدَمَ مَوْلُودٍ إِلَّا وَلَدَ مَعَهُ جَارِيَةً، فَكَانَ يُزَوِّجُ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ جَارِيَةً هَذَا الْبَطْنِ الْآخَرِ، وَيُزَوِّجُ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ غُلَامُ هَذَا الْبَطْنِ الْآخَرِ، حَتَّى وُلِدَ لَهُ ابْنَانِ يُقَالُ لَهُمَا: قَابِيلٌ وَهَابِيلُ (^٣) وَكَانَ قَابِيلُ صَاحِبِ زَرْعٍ، وَكَانَ هَابِيلُ صَاحِبُ ضَرع، وَكَانَ قَابِيلُ أَكْبَرَهُمَا، وَكَانَ لَهُ أُخْتٌ أَحْسَنُ مِنْ أُخْتِ هَابِيلَ، وَإِنَّ هَابِيلَ طَلَبَ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتٌ قَابِيلٍ، فَأَبَى عَلَيْهِ وَقَالَ: هِيَ أُخْتِي، وَلَدَتْ مَعِي، وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ أُخْتِكَ، وَأَنَا أَحَقُّ أَنْ أَتَزَوَّجَ بِهَا. فَأَمَرَهُ أَبُوهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا هَابِيلَ، فَأَبَى، وَأَنَّهُمَا قَرْبًا قُرْبَانَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَيُّهُمَا أَحَقُّ بِالْجَارِيَةِ، وَكَانَ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَدْ غَابَ عَنْهُمَا، أَتَى (^٤) مَكَّةَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ لِي بَيْتًا فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَاَ قَالَ: إِنَّ لِي بَيْتًا فِي مَكَّةَ (^٥) فَأته. فَقَالَ آدَمُ لِلسَّمَاءِ: اُحْفُظِي وَلَدِي بِالْأَمَانَةِ، فَأَبَتَ. وَقَالَ لِلْأَرْضِ، فَأَبَتَ. وَقَالَ لِلْجُبَّالِ، فَأَبَتَ. فَقَالَ (^٦) لقَابِيل، فَقَالَ: نَعَمْ، تَذْهَبُ وَتَرْجِعُ وَتَجِدُ أَهْلُكَ كَمَا يُسْرِكُ فَلَمَّا انْطَلَقَ آدَمُ قََرِبًا قُرْبَانًا، وَكَانَ قَابِيلُ يُفَخَّرُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا مِنْكَ، هِيَ أُخْتِي، وَأَنَا أَكْبَرُ مِنْك، وَأَنَا وَصِيٌّ وَالِدِي. فَلَمَّا قََرِبَا، قُرْبَ هَابِيلَ جََذِعََة سَمْنَةً، وَقَرِّبَ قَابِيلَ حَزْمَة سَنْبَلً، فَوَجَدَ فِيهَا سَنْبَلَةٌ عَظِيمَةً، فَفَرَكَهَا فَأَكَلَهَا. فَنَزَلَتْ النَّارَ فَأَكَلْتُ قُرْبَانِ هَابِيلَ، وَتَرَكْتُ قُرْبَانِ قَابِيلَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: لَأَقْتُلُنَّكَ حَتَّى لاَ تَنْكِحْ أُخْتِي. فَقَالَ هَابِيلُ: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرً. (^٧)
1 في ر: "بني".
2 زيادة من ر، أ.
3 في ر: "هابيل وقابيل".
4 في أ: "إلى".
5 في ر، أ: "بمكة".
6 في أ: "وقال".
7 تفسير الطبري (١٠/ ٢٠٦) وسيأتي كلام الحافظ ابن كثير في رد هذا الأثر.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout