أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيٍّ، وَسَعْدٍ، وَسَلْمَانَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الصَّيْدَ يُؤْكَلُ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبَ، حَتَّى قَالَ سَعْدٌ، وَسَلْمَانُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ، وَغَيْرُهُمْ: يُؤْكَلُ وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلَّا بِضْعَةً. وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ، وَأَوْمَأَ فِي الْجَدِيدِ إلَى قَوْلَيْنِ، قَالَ ذَلِكَ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرٍ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ عَنْهُ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَوِيًّ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخَُشَنِي، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي صَيْدِ الْكَلْبِ: "إذَا أَرْسَلْتْ كَلْبَكَ وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ فَكُلُّ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، وَكُلُّ مَا رَدَّتْ عَلَيْك يُدْكَ". (^١)
ورواه أَيْضا النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا يُقَالُ لَهُ: أَبُو ثَعْلَبَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّار الكَلاعِيّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُوسَى-هُوَ اللَّاَحُوَنِيُّ-حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ -هُوَ الطَّاحِي-عَنْ أَبِي إِيَاسٍ -وَهُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ-عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا أَرْسَلَ الرَّجُلُ كَلْبَهُ عَلَى الصَّيْدِ فَأَدْرَكَهُ وَقَدْ أَكَلَ مِنْهُ، فَلْيَأْكُلْ مَا بَقِيَ ".
ثم إِنَّ ابْنَ جَرِيرٍ عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ قَدْ رَوَاهُ قَتَادَةً وَغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ سَلْمَانَ مَوْقُوفًا (^٢) وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَقَدَّمُوا حَدِيثٌ "عَديّ" على ذلك، وَرَامُوا تَضْعِيفُ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ وَغَيْرِهُ. وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَكَلَ بَعْدَ مَا انْتَظَرَ صَاحِبُهُ وَطَالَ عَلَيْهِ الْفَصْلُ وَلَمْ يَجِئَ، فَأَكَلَ مِنْهُ لِجُوعِهِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ؛ لَا يُخْشَى أَنَّهُ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَكَلَ مِنْهُ أَوَّلَ وَهِلَةً، فَإِنَّهُ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَأَمَّا الْجَوَارِحُ مِنَ الطَّيْرِ (^٣) فنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهَا كَالْكِلَابِ، فَيَحْرُمُ مَا أَكَلْتْ مِنْهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلَا يَحْرُمُ عِنْدَ الْآخَرِينَ. وَاخْتَارَ الْمُزَنِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ أَكْلُ مَا أَكَلَتْ مِنْهُ الطُّيُورُ وَالْجَوَارِحُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، قَالُوا: لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَعْلِيمُهَا كَمَا يُعْلَمُ الْكَلْبَ بِالضَّرْبِ وَنَحْوِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهَا لَا تَعْلَمُ إِلَّا بِأَكْلِهَا مِنْ الصَّيْدِ، فَيُعْفَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَالنَّصُّ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْكَلْبِ لَا فِي الطَّيْرِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي "الإِفْصَاحِ": إِذَا قُلْنَا: يَحْرُمُ مَا أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ، فَفِي تَحْرِيمِ مَا أَكَلَ مِنْهُ الطَّيْرُ وَجْهَانِ، وَأَنْكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا التَّفْرِيعُ وَالتَّرْتِيبُ، لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا (الْمُتَرَدِّيَةُ) فهي التِي تَقَعُ مِنْ شَاهِقٍ أَوْ مَوْضِعٍ عَالَ فَتَمُوتُ بِذَلِكَ، فَلَاَ تَحَلُّ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (الْمُتَرَدِّيَةُ) التي تسقطُ مِنْ جَبَل. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الَّتِي تَتَرَدَّى فِي بِئْرِ.
1 سنن أبي داود برقم (٢٨٥٢).
2 تفسير الطبري (٩/ ٥٦٥) وفي إسناده مرفوعا محمد بن دينار الأزدي ضعيف
3 في ر، أ: "من الطيور".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout