وَفَُتَحََت رَوْزَنَة مَنْ سَقَفَ الْبَيْتِ، وَأَخَذْتُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَاَمُ سِنَةًٌ مِنَ النَّوْمِ، فَرَفِعَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ، كَمَا قَالَ [الله] (^١) تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا] (^٢)﴾ الآية [آل عِمْرَانُ: ٥٥].
فلما رفع خَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ فَلَمَّا رَأَى أُولَئِكَ ذَلِكَ الشَّابُّ ظَنُّوا أَنَّهُ عِيسَى، فَأَخَذُوهُ فِي اللَّيْلِ وَصَلْبُوهُ، وَوَضَعُوا الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ، فَأَظْهَرَ الْيَهُودَ أَنَّهُمْ سَعُوا فِي صُلْبِهِ وَتَبْجَّحُوا بِذَلِكَ، وَسَلَّمَ لَهُمْ طَوَائِفَ مِنَ النَّصَارَى ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ، مَا عَدَا مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ مَعَ الْمَسِيحِ، فَإِنَّهُمْ شَاهِدُوا رَفَعَهُ، وَأَمَّا الْبَاقُونُ فَإِنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَّ الْيَهُودُ أَنَّ الْمَصْلُوبَ هُوَ الْمَسِيحُ (^٣) ابن مَرِيم، حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّ مَرْيَمَ جَلَسْتْ تَحْتَ ذَلِكَ الْمَصْلُوبِ وَبَكَتَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ خَاطَبُهَا، وَاَللَّهِ (^٤) أعلم.
وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ امْتِحَانِ اللَّهِ عِبَادَهُ؛ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، وَقَدْ أَوْضَحَ (^٥) الله الأَمْرُ وَجَلاهُ وَبَيْنَهُ وَأَظْهَرَهُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، الْمُؤَيِّدِ بِالْمُعْجِزَاتِ وَالْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ، فَقَالَ تَعَالَى -وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ، وَرَبِّ الْعَالَمِينَ، الْمُطَّلِعُ عَلَى السَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ، الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، الْعَالِمِ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ (^٦) يَكُون-: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) أي: رَأَوْا شَبَهُهُ فَظَنُّوهُ إِيَّاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: (وَإِِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) [وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ] (^٧) يعني بذلك: مَنْ ادَّعَى قَتْلَهُ مِنَ الْيَهُودِ، وَمَنْ سَلَّمهِ مِنْ جِهَالِ النَّصَارَىِّ، كُلُّهُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذَلِكَ وَحِيرَةٌ وَضَلَاَلٌ وَسَُعُر. وَلِهَذَا قَالَ: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) أَيِّ: وَمَا قَتَلُوهُ مُتَيَقِّنِينَ أَنَّهُ هُوَ، بَلْ شَاكِينِ مُتَوَهِّمِينِ. (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) أَيُّ مَنِيعُ الْجَنَابِ لَاَ يُرَامُ جَنَابَهُ، وَلَاَ يُضَامُ مَنْ لَاَذَ بِبَابِهِ (حَكِيمًا) أَي: فِي جَمِيعِ مَا يُقَدِّرُهُ وَيَقْضِيهِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يُخْلُقُهَا وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ، وَالسُّلْطَانُ الْعَظِيمُ، وَالْأَمْرُ الْقَدِيمَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَِان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْمِِنَْهَِال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ، خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ -وَفِي الْبَيْتِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْحَوَارِيِينَ-يَعْنِي: فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مِنْ عَيْنٍ فِي الْبَيْتِ، وَرَأْسِهِ يُقْطُرُ مَاءً، فَقَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يَكَفُرُ بِي اثْنَتَيْ عَشَرَةَ (^٨) مَرَّة، بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِي. ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عليه شبهي، فَيَقْتُلُ مَكَانِي وَيَكُونُ مَعِي فِي دَرَجَتِي؟ فَقَامَ شَابٌّ مَنْ أَحْدَثَهُمْ سِنًّا، فَقَالَ لَهُ: اجْلِس. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ ذَلِكَ الشَّابِ، فَقَالَ: اجْلِس. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ الشَّابُّ فَقَالَ: أَنَا. فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ ذَاكَ. فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَه عِيسَى وَرَفَعَ عِيسَى مِنْ رَوْزَنَة فِي الْبَيْتِ إِلَى السَّمَاءِ. قَالَ: وَجَاءَ الطَّلَبُ مِنَ الْيَهُودِ فَأَخَذُوا الشَّبَهَ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ صَلَبُوهُ وَكَفَرَ بِهِ بَعْضُهُمْ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ (^٩) مَرَّة، بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِهِ،
1 زيادة من، أ.
2 زيادة من ر، أ.
3 في أ: "هو عيسى".
4 في د، ر، أ: "فالله".
5 في ر: "وضح".
6 في ر، أ: "كيف كان يكون".
7 زيادة من أ.
8 في د: "اثني عشر"، وفي ر: "اثنا عشر".
9 في د: "اثني عشر"، وفي ر: "اثنا عشر".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout