قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ) فَعَلى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَأَنَّهُمْ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ بِأَنَّ قُلُوبَهُمْ لَا تَعِي مَا يَقُولُ؛ لِأَنَّهَا فِي غَلَفٍ وَفِي أَكِنَةٍ، قَالَ اللَّهُ [تَعَالَى] (^١) بل هو مَطْبُوعٌ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ. وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي عَكَسَ عَلَيْهِمْ مَا ادََّّعَوْه مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مِثْلِ هَذَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
(فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا) أي: مَرَدت قُلُوبُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ وَقِلَّةِ الإِيمَانَ.
(وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) قال عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "يَعْنِي أَنَّهُمْ رَمُوْهَا بِالزِّنَا". وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ، وَجَُوََيْبِر، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنَ الْآيَةِ: أَنَّهُمْ رَمُوهَا وَابْنُهَا بِالْعَظَائِمِ، فَجَعَلُوهَا زَانِيَةً، وَقَدْ حَمَلَتْ بِوَلَدِهَا مِنْ ذَلِكَ -زَادَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ حَائِضٌ -فَعَلَيْهِمْ لِعَائِنِ اللَّهِ الْمُتَتَابَعَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَوْلهُم: (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ) أي (^٢) هذا الَّذِي يَدَّعِي لنَفْسِهِ هَذَا (^٣) الْمُنْصِبُ قَتَلْنَاهُ. وَهَذَا مِنْهُمْ مِنْ بَابِ التُّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿َيَا أََيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحُجر: ٦].
وكان مَنْ خَبَرِ الْيَهُودِ -عَلَيْهِمْ لِعَائِنِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ وَغَضَبِهِ وَعِقَابَهِ-أَنَّهُ لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، حَسَدُوهُ عَلَى مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ، الَّتِي كَانَ يُبْرِئُ بِهَا الْأُكْمَهُ وَالأَبْرَصُ وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ، وَيُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ طَائِرًٌا ثُمَّ يَنْفَخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًٌا يُشَاهَِدُ طِيرَانُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ، عَزّ وَجَلّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهَا وَأَجْرَاهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَمَعَ هَذَا كَذّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، وَسَعَوْا فِي أَذَاهُ بِكُلِّ مَا أَمْكَنَهُمْ، حَتَّى جَعَلَ نَبِيَّ اللَّهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلامُ، لَا يُسَاكِنُهُمْ فِي بَلْدَةٍ، بَلْ يَكْثِرُ السِّيَاحَةُ هُوَ وَأُمُّهَ، عَلَيْهِمَا السَّلامُ، ثُمَّ لَمْ يَقْنَعْهُمْ ذَلِكَ حَتَّى سَعُوا إِلَى مِلْكِ دِمَشْقَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ -وَكَانَ رَجُلًا مُشْرِكًًا مِنْ عَبْدَةِ الْكَوَاكِبِ، وَكَانَ يُقَالُ لِأَهْلِ مِلَّتِهِ: الْيُونَانِ-وَأَنَّهُوا إِلَيْهِ: أَنَّ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ رَجُلًا يَفْتِنُ النَّاسُ وَيَضُلُّهُمْ وَيَفْسُدُ عَلَى الْمِلْكِ رَعَايَاهُ. فَغَضَبَ (^٤) الملك مِن هَذَا، وَكَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ بِالْقَدَسِ أَنْ يَحْتَاطَ عَلَى هَذَا الْمَذْكُورِ، وَأَنْ يَصْلُبَهُ وَيَضَعُ الشَّوْكُ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَكُفُّ أَذَاهُ عَلَى النَّاسِ. فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ امْتَثِلَ مَُتَوَلِّي بَيْتِ الْمَقْدِسِ (^٥) ذلك، وَذَهَبَ هُوَ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي فِيهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، اثْنَا عَشَرَ أَوْ ثَلَاَثَةَ عَشَرَ -وَقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ نَفَرًَا-وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَحَصَرُوهُ هُنَالِكَ. فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ وَأَنَّهُ لَا مَحَالَةَ مِنْ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ، أَوْ خُرُوجِهِ عَلَيْهِمْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عليه شبهي، وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟ فَانْتََدََب لِذَلِكَ شَابٌّ مِنْهُمْ، فَكَأَنَّهُ اسْتَصْغَرَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَعَادَهَا ثَانِيَةً وَثَالِثَةٌ وَكُلُّ ذَلِكَ لَاَ يََنَْتََدَبُ إِلاَّ ذَلِكَ الشَّابُّ -فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ-وَأَلْقَى اللَّهُُ عَلَيْهِ شَبَّهَ عِيسَى، حَتَّى كَأَنَّهُ هُوَ،
1 زيادة من أ.
2 بعدها في أ: "وبدعواهم البهتان والكذب والإفك والعدوان في قولهم: "إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله".
3 في ر:: ذلك".
4 في أ: "فغضب ذلك".
5 في ر، أ: "متولي البلد".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout