قَصْرَ، إنَّمَا الْقَصْرُ صَلَاةُ الْمُخَافَةِ. فَقُلْت: وَمَا صَلَاةُ الْمَخَافَةِ؟ فَقَالَ: يُصَلِّي الْإِمَامُ بِطَائِفَةِ رَكْعَةً، ثُمَّ يَجِيءُ هَؤُلَاءِ إلَى مَكَان هَؤُلَاءِ، وَيَجِيءُ هَؤُلَاءِ إلَى مَكَان هَؤُلَاءِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً، فَيَكُونُ لِلْإِمَامِ رَكْعَتَانِ، وَلِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةُ رَكْعَةً (^١).
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾
صلاة الخوف أَنْواع كَثِيرَةً، فَإِنَّ الْعَدُوَّ تَارَةً يَكُونُ تَجَاهُ الْقِبْلَةِ، وَتَارَةً يَكُونُ فِي غَيْرِ صَوَْبِهَا، وَالصَّلاَةِ تَارَةً تَكُونُ رُبَاعِيَّةً، وَتَارَةً ثَلَاثِيَّةً كَالْمَغْرِبِ، وَتَارَةً ثَنَائِيَةً، كَالصُّبْحِ وَصَلَاةِ السَّفَرِ، ثُمَّ تَارَةً يُصَلُّونَ جَمَاعَةً، وَتَارَةً يَلْتَحِمُ الْحَرْبَ فَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْجَمَاعَةِ، بَلْ يُصَلُّونَ فُرَادَى مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرُ مُسْتَقْبِلِيهَا، وَرِجَالًا وَرُكْبَانَا، وَلَهُمْ أَنْ يَمْشُوا وَالْحَالَةَ هَذِهِ وَيَضْرِبُوا الضَّرْبَ الْمُتَتَابِعَ فِي مَتْنِ الصَّلَاةِ.
وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: يُصَلُّونَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةً؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي الْحَوَاشِي: وَبِهِ قَالَ عَطَاءً، وَجَابِرٌ، وَالْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحُكْمُ، وَقَتَادَةُ، وَحَمَّادً. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَاوُسٌ وَالضَّحَاكُ.
وَقَدْ حَكَى أَبُو عَاصِمٍ العََبَّادي (^٢) عن مُحَمَّدِ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ؛ أَنَّهُ يَرَى رَدَّ الصُّبحُ إِلَى رَكْعَةٍ فِي الْخَوْفِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًَا.
وقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: أَمَّا عِنْدَ الْمُسَايَفَةِ فَيُجْزِيكَ رَكْعَةً وَاحِدَةً، تَومِئُ بِهَا إِيمَاءً، فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ فَسَجْدَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهَا ذَكَرَ اللَّهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: تَكْفِي تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً. فَلَعَلَّهُ أَرَادَ رَكْعَةً وَاحِدَةً، كَمَا قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابِهُ، وَلَكِنَّ الَّذِينَ حَكَوَهُ إِنَّمَا حَكَوهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الِاجْتِزَاءِ بِتَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ إِسْحَاقَ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَمِيرُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ بُخْت الْمَكِّيُّ، حَتَّى قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّكْبِيرَةِ (^٣) فَلا يَتْرُكُهَا فِي نَفْسِهِ، يَعْنِي بِالنِّيَّةِ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاش، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْهُ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَبَاحِ تَأْخِيرَ الصَّلَاَةِ لِعُذْرِ الْقِتَالِ وَالْمُنَاجَزَةِ، كَمَا أَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ صَلَاةَ الْعَصْرِ، قِيل: وَالظُّهْرُ، فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْغُرُوبِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهُمَا الْمَغْرِبَ ثُمَّ الْعِشَاءَ. وَكَمَا قَالَ
1 تفسير الطبري (٩/ ١٣٤).
2 في ر: "العادي".
3 في أ: "التكبير".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout