نُصِرتُ بالرُّعبِ مَسِيرةَ شَهْر وَجَعَلْتُْ لِي الأَرْضَ مَسْجِدًا وَطَهُورًُا، فَأَيُّمَا رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكْتُهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ -وَفِي لَفْظٍ: فَعِنْدَهُ طَهُورُه مَسْجِدُهُ-وَأَحَِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تََحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطَيْتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يَبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ وَبَعَثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (^١).
وتَقَدم فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: "فَضْلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاَثٍ: جُعَلَتُ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَاَئِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا، وَتَرَبْتُهَا (^٢) طَهُورا إِذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ".
وقَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) أَيِّ: وَمَنْ عَفُوهُ عَنْكُمْ وَغََفَرُهُ لَكُمْ أَنَّ شَرَعَ (^٣) التّيمم، وَأَبَاحَ لَكُمْ فِعْلُ الصَّلَاَةَ بِهِ إِذَا فَقَدْتُمْ (^٤) الْمَاء تَوْسِعَةُ عَلَيْكُمْ وَرُخْصَةً لَكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ فِيهَا تَنْزِيهٌ الصَّلَاةُ أَنْ تَفْعَلَ عَلَى هَيْئَةٍ نَاقِصَةً مِنْ سُكِرٍ حَتَّى يَصْحُوَ الْمُكَلَّفُ وَيَعْقِلُ مَا يَقُولُ، أَوْ جَنَابَةً حَتَّى يَغْتَسِلَ، أَوْ حَدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا أَوْ عَادِمًا لِلْمَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، قَدْ أَرْخَصَ فِي التَّيَمُّمِ وَالْحَالَةِ هَذِهِ، رَحْمَةٌ بِعِبَادِهِ وَرَأْفَةٍ بِهِمْ، وَتَوْسِعَةٍ عَلَيْهِمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمَنَّةَ.
ذِكَرَ سَبَبُ نُزُولٍ مَشْرُوعِيَّةَ التَّيَمُّمِ:
وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي النِّسَاءِ مُتَقَدِّمَةُ النُّزُولِ عَلَى آيَةِ الْمَائِدَةِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ قَبْلَ تَحَتُّمِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَالْخَمْرِ إنَّمَا حَرُمَ بَعْدَ أَحَدٍ، يُقَالُ: فِي مُحَاصَرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ أَحَدٍ بِيَسِيرٍ، وَأَمَّا الْمَائِدَةُ فَإِنَّهَا مِنْ أَوَاخِرِ مَا نَزَلَ، وَلَا سِيَّمَا صَدْرَهَا، فَنَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ السَّبَبَ هَاهُنَا، وَبِاَللَّهِ الثِّقَةَ.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءِ قِلَادَةَ، فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجَالًا فِي طَلَبِهَا فَوَجَدُوهَا، فَأَدْرَكْتْهُمْ الصَّلَاةَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءً، فَصَلُّوهَا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَشَكّوا ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ لِعَائِشَةَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاَللَّهِ مَا نَزَلَ بِك أَمْرٌ تُكْرِهِينَهُ إلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَك وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا (^٥).
طريق أُخرى: قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنْبَأَنَا مَالِك، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي الْبَيْدَاءِ (^٦) -أو بِذَاتِ الْجَيْشِ-انْقَطَعِ عَقْدَ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءً، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا صَنَعْتُ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءً! فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعَ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءً! قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعَنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، وَلَاَ يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلّا مَكَانَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غَيْرِ
1 صحيح البخاري برقم (٣٣٥) وصحيح مسلم برقم (٥٢١).
2 في أ: "وترابها".
3 في أ: "يشرع".
4 في أ: "فقد".
5 المسند (٦/ ٥٧).
6 في أ: "بالبيداء".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout