لم يُحَدِّدُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِير، رَحِمَهُ اللَّهُ، تَارِيخُ بِدَايَتِهِ فِي كِتَابَةِ هَذَا التَّفْسِيرِ وَلَا تَارِيخُ انْتِهَائِهِ مِنْهُ، لَكِنَّ ثَمَّةَ دَلَائِلُ تَدُلُّ عَلَى تَارِيخِ انْتِهَائِهِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ عِنْدَ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ شَيْخُهُ الْمُزِّيُّ وَدَعَا لَهُ بِطُولِ الْعُمُرِ مِمَّا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ أَلِفَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ التَّفْسِيرِ فِي حَيَاةِ شَيْخِهِ الْمُزِيِّ الْمُتَوَفَّى سَنَةً (٧٤٢ هـ).
واقْتِبِسِ مِنْهُ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي كِتَابِهِ تَخْرِيجُ أَحَادِيثِ الْكُشَّافِ (٢ - ١٨٠) وَالزيلَعِي تُوُفِّيَ سَنَةً (٧٦٢ هـ)، مَمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كِتَابَ الْحَافِظِ ابْنُ كَثِيرٍ انْتَشَرَ فِي هَذِهِ الْفِتْرَةِ.
هَذَا وَتُعْتَبَرُ النُّسْخَةُ الْمَكِيَّةُ أَقْدَمَ النَّسَخَ الَّتِي وَقَعَتْ بِأَيْدِينَا، وَقَدْ جَاءَ بِآخِرِهَا: "آخَرُ كِتَابٍ فَضَائِلُ الْقُرْآنِ وَبِهِ تَمَّ التَّفْسِيرُ لِلْحَافِظِ الْعَلَّامَةُ الرِّحْلَةُ الْجَهْبَذُ مُفِيدُ الطَّالِبِينَ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ إِسْمَاعِيلُ الشَّهِيرِ بِابْنِ كَثِيرٍ، عَلَى يَدٍ أَفْقَرَ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ الْغَنِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَعْمَرٍ الْمُقْرِيِّ الْبَغْدَادِيُّ، عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَنَفَعَهُ بِالْعِلْمِ، وَوَفَّقَهُ لِلْعَمَلِ بِهِ آمِينَ .... بِتَارِيخِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَاشِرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ هِلَالِيَّةٍ هِجْرِيَّةً".
يَعَدُّ تَفْسِيرَ الْحَافِظِ ابْنُ كَثِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَهَا الْقَبُولَ وَالِانْتِشَارَ، فَلَا تَكَادُ تَخْلُو مِنْهُ الْيَوْمَ مُكْتَبَةً سَوَاءٌ كَانَتْ شَخْصِيَّةً أَوْ عَامَّةً.
وَقَدْ نَهَجَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِيهِ مَنْهَجًٌا عِلْمِيًا أَصِيلًا وَسَاقَهُ بِعِبَارَةٍ فَصِيحَةٍ وَجَمَلٍ رَشِيقَةً، وَتَتَجَلَّى لَنَا أَهْمِّيَّةُ تَفْسِيرِ الْحَافِظِ ابْنُ كَثِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي النِّقَاطِ التَّالِيَةِ:
١ - ذَكَرَ الْحَدِيثَ بِسَنَدِهِ.
٢ - حُكْمُهُ عَلَى الْحَدِيثِ فِي الْغَالِبِ.
٣ - تَرْجِيحُ مَا يَرَى أَنَّهُ الْحَقُّ، دُونَ التَّعَصُّبِ لِرَأْيٍ أَوْ تَقْلِيدٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
٤ - عَدَمُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْقَصَصِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي صَحِيحِ سَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَرُبَّمَا ذَكَرَهَا وَسَكَتَ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَلِيلٌ.
٥ - تَفْسِيرُهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَلَى طَرِيقَةِ سَلَفِ الْأَمَةِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلَ.
٦ - اسْتِيعَابُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْآيَةِ، فَقَدْ اسْتَوْعَبَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout