الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ الْحَدِّ فِي قَوْلِهِ: فَلْيُجْلِدْهَا (^١) الْحدُّ، لفظ مُقْحَم (^٢) مَنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، بِدَلِيلِ الْجَوَابِ الثَّالِثِ وَهُوَ:
أَنَّ هَذَا مِنْ حَدِيثِ صَحَابِيَّيْنِ وَذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَطْ، وَمَا كَانَ عَنْ اثْنَيْنِ فَهُوَ أَوْلَى بِالتَّقَدُّمِ (^٣) مِنْ رِوَايَةَ وَاحِدٍ، وَأَيْضًا فَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ -وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًَا-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا زَنَتَ الْأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِذَا زََنَتِْ فَاجِْلِدُوهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَبِيْعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرَ".
الرَّابِع: أَنَّهُ لا يَبْعُدُ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ أَطْلَقَ لَفْظَ الْحَدِّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْجِلْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْجِلْدُ اعْتَقَدَ (^٤) أنهُ حد، أَوْ أَنَّهُ أَطْلَقَ لَفْظَةَ الْحَدِّ عَلَى التَّأْدِيبِ، كَمَا أَطْلَقَ الْحَدَّ عَلَى ضَرْبِ مِنْ زَنَى مِنَ الْمَرْضَى بُِعَثَْكَالَ نَخْلَ فِيهِ مِائَةَ شِمْرَاخ، وَعَلَى جِلْدٍ مَنْ زَنَى بِأَمَةِ امْرَأَتِهِ إِذَا أَذِنَتْ لَهُ فِيهَا مِائَةً، وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَعْزِيرٌ وَتَأْدِيبٌ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ كَالْإِمَامِ أَحْمَدُ وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ. وَإِنَّمَا الْحَدُّ الْحَقِيقِيُّ هُوَ جِلْدُ الْبِكْرِ مِائَةً، وَرَجْمَ الثَّيِّبُ أَوْ اللَّائِطَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رَوَىَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: لَاَ تَضْرِبُ الْأَمَةُ إِذَا زَنَتْ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ (^٥).
وهذا إِسناد صَحِيحٌ عَنْهُ، وَمَذْهَبُ غَرِيبٍ إنْ أَرَادَ أَنَّهَا لَا تُضْرَبُ أَصْلًاً لَا حَدًّا، وَكَأَنَّهُ أَخَذَ بِمَفْهُومِ الْآيَةِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّهَا لَا تُضْرَبُ حَدًّا، وَلَا يَنْفِي ضَرْبُهَا تَأْدِيبًا، فَهُوَ (^٦) كَقَولِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ الْمُحْصَنَةَ تُحَدُّ نِصْفُ حَدِّ الْحُرَّةِ، فَأَمَّا قَبْلَ الْإِحْصَانِ فَعُمُومَاتُ (^٧) الكتَابُ وَالسُّنَةُ شَامِلَةٌ لَهَا فِي جِلْدِهَا مِائَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى (^٨) ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وكَحَدِيثِ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: "خُذوا عَنِّي، خذوا عنِّي، قَدْ جََعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلا البِكر بالبِكْر جَلْدُ مِائَةً وتَغْرِيبُ عَام، وَالثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةً وَرَجْمُهَا بِالحِجَارَةِ" وَالْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيِّ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (^٩) إِذا كَانَ أَمْرَ بِجِلْدِ الْمُحْصَنَةِ مِنَ الْإِمَاءِ بِنِصْفِ مَا عَلَى الْحُرَّةِ (^١٠) مِن الْعَذَابِ وَهُوَ خَمْسُونَ جِلْدَةً، فَكَيْفَ يَكُونُ حُكْمُهَا قَبْلَ الْإِحْصَانِ أَشَدُّ مِنْهُ بَعْدَ الْإِحْصَانِ. وَقَاعِدَةِ الشَّرِيعَةِ فِي ذَلِكَ عَكْسُ مَا قَالَ، وَهَذَا الشَّارِعُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَسْأَلُهُ أَصْحَابُهُ عَنِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، فَقَالَ: "اجْلِدُوهَا" وَلَمْ يَقُلْ مِائَةً، فَلَوْ كَانَ حُكْمُهَا كَمَا قَالَ (^١١) داود لوجَبَ بَيَانُ ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ (^١٢) بَيَان حُكْمِ جِلْدِ الْمِائَةِ بَعْدَ الْإِحْصَانِ فِي الْإِمَاءِ، وَإِلَّا فَمَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِمْ: "وَلَمْ تُحْصَنْ" لِعَدَمِ الْفَرْقِ
1 في جـ، أ: "فليقم عليها" وفي ر "عليها الحد".
2 في ر: "معجمة"، وفي أ: "مقحمة".
3 في أ: "بالتقديم".
4 في جـ، أ: "لما كان الجلد في الحديث اعتقد".
5 في أ: "ما لم تزوج".
6 في جـ، ر: "فيكون".
7 في ر: "بعمومات".
8 في أ: "لقول الله تعالى".
9 في أ: "سبحانه".
10 في أ: "غيره".
11 في أ: "كما زعم".
12 في جـ، أ: "بعد نزول".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout