وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي إجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ خَلْوَةَ الرَّجُلِ بِامْرَأَتِهِ لَا يَُحَرُمُ (^١) ابنتهَا عَلَيْهِ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ مَسِيسِهَا وَمَُبََاشْرَتِهَا أَوْ قَبْلَ (^٢) النَّظرُ إِلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةِ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ هُوَ الْوُصُولُ إِلَيْهَا بِالْجِمَاعِ.
وَقَوْله: (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) أي: وَحَُرُمْتُ عَلَيْكُمْ زَوْجَاتُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ وَلَدَتُمُوهُمْ مِنْ أَصْلَاَبِكُمْ، يَحْتَرِزُ بِذَلِكَ عَنِ الْأَدْعِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَِبَنَونَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ [إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا] (^٣)﴾ الآية [الأحزَابِ: ٣٧].
وقال ابن جُرَيْج: سألت عَطَاءً عَنْ قَوْلِهِ: (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) قال: كنا نُحَدِّث، والله أعلم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (^٤) صلى الله عليه وسلم لَمَّا نَكَحَ امْرَأَةً زَيْدٍ، قَالَ (^٥) الْمُشْرِكُونُ بِمَكَّةَ فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عز وَجَلَّ] (^٦) (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) ونَزَلت: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]. ونَزَلَت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وقال ابن أَبِي حَاتِمِ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا الْجَرْحُ (^٧) بن الْحَارِث، عَنِ الأَشْعَثِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ (^٨) أَن هُؤُلاَءِ الآيَاتِ مُبْهَمَاتً: (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ) (أُمَّهَاتُ نِسَائِكُم) ثم قال: وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَالزُّهْرِيُّ وَمَكْحُولٌ نَحْوِ ذَلِكَ.
قُلت: مَعْنًى (^٩) مبهِمَاتِ: أَيْ عَامَّةً فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ، فَتَحْرُمُ (^١٠) بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ تَحْرُمُ امْرَأَةُ ابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَحْكِيهِ إجْمَاعًا وَلَيْسَ مِنْ صُلْبِهِ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "يَحْرُم مِن الرَّّضاع (^١١) ما يَحَرُمُ مِنَ النَّسَبِ".
وقَوله: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأَخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ [إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا] (^١٢)) أي: وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مَعًَا فِي التَّزْوِيجِ، وَكَذَا فِي مِلْكِ الْيَمِينِ إِلَّاَّ مَا كَانَ مِنْكُمْ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ فَقَدْ عَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَغَفَرْنَاهُ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا مَثْنَوِيَّةً فِيمَا يَسْتَقْبِلُ وَلَا اسْتِثْنَاءً فِيمَا (^١٣) سلف، كمَا قَال: ﴿لاَ يَذُوقُُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدَّخان: ٥٦] فَدَل عَلى أَنَّهُمْ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتُ (^١٤) أبدا. وَقَدْ أَجْمَعُ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ قَدِيمًٌا وَحَدِيثًُا عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ، وَمَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ خَيْرٌ، فَيُمْسِكُ إِحْدَاهُمَا (^١٥) وَيُطَلِقُ الأُخْرَى لَا مَحَالَةَ.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ حَدَّثَنَا ابْنُ لََهِِيعَةِ عَنْ أَبِي وَهَْبٍ الْجِيِّْشَانِيِّ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي امْرَأَتَانِ أُخْتَانِ، فَأَمََرَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَطْلِّقَ
1 في جـ، ر، أ: "لا تحرم".
2 في جـ، ر، أ: "وقيل".
3 زيادة من جـ، ر، أ.
4 في جـ: "النبي".
5 في جـ، ر، أ: "فقال".
6 زيادة من جـ، أ.
7 في جـ، ر، أ: "خالد".
8 في أ: "الحسن ومحمد".
9 في ر: "يعني".
10 في أ: "فيحرم".
11 في أ: "الرضاعة".
12 زيادة من جـ، أ، وفي الأصل: "الآية".
13 في ر، أ: "بما".
14 في جـ: "الموت فيهما".
15 في أ: "أحديهما".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout