قَالَ (^١) عكرمَةُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ السِّيَاقُ كُلُّهُ كَانَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَكِنْ نَهْيَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ فِعْلِهِ فِي الْإِسْلَامِ.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: كَانَ الْعَِضِْل فِي قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ، يَنْكَحُُ الرَّجُلُُ الْمَرْأَةُ الشَّرِيفَةَ فَلَعَلَّهَا لَا تُوَافِقُهُ، فَيُفَارِقُهَا عَلَى أَنْ (^٢) لا تُزوّج (^٣) إلا بإِذْنه، فَيَأْتِي بِالشُّهُودِ فَيَكْتُبُ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَيَشْهَدُ، فَإِذَا خَطَبَهَا الْخَاطِبُ فَإِنْ أَعْطَتْهُ وَأَرَضَتْهُ أَذِنَ (^٤) لها، وإِلا عَضلها. قَال: فَهَذَا قَوْلُهُ: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) الآيَة.
وقَالَ مُجَاهِدُ فِي قَوْلِهِ: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) هو كَالْعَضلِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
وَقَوْله: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: طيِّبُوا أَقْوالُكُمُ لَهُنَّ، وَحََسّنُوا أَفْعَالُكُمْ وَهَيْئَاتُكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ، كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا، فَافْعَلْ أَنْتَ بِهَا مِثْلُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقِرة: ٢٢٨] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وأنا خَيْرُكُم لأهْلي" (^٥) وَكَانَ مَنْ أَخْلَاقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جََمِِيلُ العِشْرَة دائِم البِشْرِ، يُداعِبُ أهلَه، ويَتَلَطَّفُ بهم، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته، ويُضاحِِك نِسَاءًَهُ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يُسَابِقُ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ يَتَوَدَّدُ إليها بِذلكَ. قَالَتْ: سَابَقَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَسَبَقْتُهُ، وَذلك قَبْلُ أَنْ أَحْمَلََ اللَّحْمَ، ثُمَّ سَابَقَتُهُ بَعْدَ مَا حَمَلَتَُ اللَّحْمََ فَسَبَّقَنِي، فَقَالَ: "هذِهِ بِتلْك" (^٦) وَيَجْتَمِعُ نِسَاؤُهُ كُلُّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَبِيتُ عِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَيَأْكُلُ مَعَهُنَّ الْعِشَاءُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ كُلُّ وَاحِدَةٍ إلَى مَنْزِلِهَا. وَكَانَ يَنَامُ مَعَ الْمَرْأَةِ مِنْ نِسَائِهِ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ، يَضَعُ عَنْ كَتِفَِيْه الرِّداء وَينَامُ بِالإِزَارِ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءُ يَدْخُلُ (^٧) مَنْزِله يَسْمُر مَعَ أَهْلِهِ قَلِيلًاً قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، يُؤَانِسُهُمْ بِذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
وأَحْكَامَ عَشَرَةُ النِّسَاءِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ مَوْضِعُهُ كِتَابُ "الأَحْكَامِ"، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
1 في جـ، ر، أ: ك "وهكذا قال".
2 في جـ، أ: "أنه".
3 في أ: "تتزوج".
4 في ر: "فأذن".
5 جاء من حديث ابن عباس: رواه ابن ماجة في السنن برقم (١٩٧٧) وابن حبان في صحيحه برقم (١٣١٥) "موارد" من طريق جعفر بن يحيى بن ثوبان عن عمه عمارة بن ثوبان عن عطاء عن ابن عباس. وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١١٧): "هذا إسناد ضعيف، عمارة بن ثوبان ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عبد الحق: ليس بالقوى، فرد ذلك عليه ابن القطان، وجعفر بن يحيى. قال ابن المديني: شيخ مجهول، وقال ابن القطان الفاسي: مجهول الحال، وذكره ابن حبان في الثقات. وجاء من حديث عائشة: رواه الترمذي في السنن برقم (٣٨٩٢) وابن حبان في صحيحه برقم (١٣١٢) من طريق سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، من حديث الثوري، ما أقل من رواه عن الثوري.
6 رواه النسائي في السنن الكبرى برقم (٨٩٤٢) وابن ماجة في السنن برقم (١٩٧٩) من طريق سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به.
7 في ر، أ: "فدخل".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout