تخْتَلَف الْبَوَاعِثُ الدَّاعِيَةَ لِتَصْنِيفِ كِتَابِ مَا مِنْ مُؤَلِّفٍ لِآخَرَ، فَقَدْ يَكُونُ الْبَاعِثُ رَغْبَةً حَاكِمٌ، أَوْ طَلَبًَا مِنْ شَيْخٍ لِأَحَدِ تَلَامِيذِهِ، أَوْ طَلَبًَا مِنْ تَلَامِيذٍ لِشَيْخِهِمْ، أَوْ مُبَادَرَةً فَرْدِيَّةٍ لِسَدِّ فَرَاغٍ عِلْمِي، لَكِنْ فِي تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ الْمُبَكَّرَةِ لِتَدْوِينِ السَّنَةِ - وَاَلَّتِي عَاصَرَهَا الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ - فَإِنَّّ السَّبَبُ الرَّئِيسُ لِلتَّدْوِينِ هُوَ حِفْظُ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ؛ خَشْيَةُ انْدِرَاسِ الْعِلْمِ وَذَهَابِهِ، أَوْ كَمَا يَقُولُ حَاجِي خَلِيفَةَ عَنْ مُصِنِّّفِي هَذِهِ الْفِتْرَةِ - وَمِنْهُمْ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: "كَانَ مُطْمَحُ نَظَرِهِمْ فِي التَّدْوِينِ ضَبْطَ مَعَاقِدِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَمَعَانِيهِمَا، ثُمَّ دُونُوا فِيمَا هُوَ كَالْوَسِيلَةِ إِلَيْهِمَا" (^١).
وقد عُدَّت هذه الفِتْرَةُ الْمُمْتَدَّةُ مِنْ أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الثَّانِي وَحَتَّى مُنْتَصِفَ الثَّالِثُ أَزْهَى عُصُورَ السَّنَةِ النُّبَوِيَّةَ، فَقَدْ كَانَتْ الرِّوَايَةُ فِي أََوَجِ ازْدِهَارِهَا، وَكَذَلِكَ بَدَأَ فِيهَا ظُهُورُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ التَّدْوِينِ - الَّذِي هُوَ مُجَرَّدُ الْجَمْعِ - وَبَيْنَ التَّصْنِيفِ - الَّذِي هُوَ التَّرْتِيبُ وَالتَّبْوِيبُ وَالتَّمْيِيزُ - فِي الْمُصَنَّفَاتِ فِي هَذَا الْقَرْنِ (^٢).
يَعَدُّ الْكِتَابُ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ، وَهِيَ جِنْسٌ مِنْ الْكُتُبِ مُرَتَّبٌ عَلَى كُتُبٍ يَشْتَمِلُ كُلُّ كِتَابٍ مِنْهَا عَلَى عِدَّةِ أَبْوَابٍ فَقْهِيَّةً، وَعَادَةُ مَا تَشْتَمِلُ عَلَى الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ وَالْمَوْقُوفَةِ
1 "كشف الظنون" (١/ ٣٤).
2 ينظر: "تدوين السنة النبوية نشأته وتطوره" لمحمد بن مطر الزهراني (ص ٨٩)، و"منهج الحافظ عبد الرزاق الصنعاني في "مصنفه"" لأسماء إبراهيم (ص ١٠٨).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout