لَا شَكَّ أَنَّ الِاهْتِمَامَ بِكِتَابٍ مُعَيَّنٍ وَصَرْفَ وُجُوهُ الْعِنَايَةِ بِهِ يُعَدُّ أَحَدٌ مُظَاهِرُ قِيمَةِ هَذَا الْكِتَابِ وَمَكَانَتِهِ الْعِلْمِيَّةُ، وَصُوَرُ الِاهْتِمَامِ عَامَّةً تَتَمَثَّلُ فِي عِدَّةِ أُمُورٍ، مِنْهَا: اتِّسَاعُ نِطَاقِ رِوَايَتِهِ، وَالِاعْتِنَاءُ بِشَرْحِهِ، وَاخْتِصَارُهِ أَوْ تَهْذِيبِهِ، أَوْ اسْتِخْرَاجِ زَوَائِدِهِ عَلَيَّ كُتَبَ أُخْرَى، وَشَرْحِ غَرِيبِهِ، وَاسْتِخْرَاجِ آثَارِهِ، وَالتَّرْجَمَةُ لِرُوَاتِهِ إنْ كَانَ كِتَابًًا مُسْنَدًًا.
وَقَدْ يَنَالُ كِتَابَ مَا شَهْرَةً فِي وَقْتٍ ثُمَّ تَخْبُو شُهْرَتَهُ، وَرُبَّمَا يَنْشَطُ أَهْلُ الْعِلْمِ لَهُ بَعْدَ أَزْمِنَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ زَمَنِ تَأْلِيفِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ هَذَا هُوَ الْحَالُ مَعَ "الْمِصَنَِّف"؛ فَإِنَّكَ لَا تَجِدُ حَفَاوَةَ بِهِ كَالْحَفَاوَةِ الَّتِي نَالَتُهَا مُصَنَّفَاتٌ أُخْرَى تَلْتَهُ أَوْ سَبَقَتُهُ، لِدَرَجَةِ أَنَّ الدَّهْلَوِيَّ جَعَلَهُ فِي الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ حَيْثُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ كُتُبِ السُّنَةِ فَقَالَ: "الطَّبْقَةُ الثَّالِثَةُ: مَسَانِيدٌ وَجَوَامِعُ وَمُصَنَّفَاتٍ صَنَفْتْ - قَبْلَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٌ وَفِي زَمَانِهِمَا وَبَعْدَهُمَا - جُمِعَتْ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ وَالضَّعِيفِ، وَالْمَعْرُوفِ وَالْغَرِيبِ، وَالشَّاذِّ وَالْمُنْكَرِ، وَالْخَطَأِ وَالصَّوَابِ، وَالثَّابِتِ وَالْمَقْلُوبِ؛ لَمْ تُشْتَهِرْ فِي الْعُلَمَاءِ ذَلِكَ الِاشْتِهَارُ وَإِنْ زَالَ عَنْهَا اسْمُ النَّكَارَةِ الْمُطْلَّقَةِ، وَلَمْ يَتَدَاوَلْ مَا تَفَرَّدَتْ بِهِ الْفُقَهَاءُ كَثِيرٌَ تَدَاوَلَ، وَلَمْ يُفْحَصْ عَنْ صِحَّتِهَا وَسَقَمَهَا الْمُحْدِثُونَ كَبِيرًَ فَحَصًّ، وَمِنْهُ مَا لَمْ يَخْدِمْهُ لُغَوِيٍّ لِشَرْحِ غَرِيبٍ، وَلَا فَقِيهُ بِتَطْبِيقِهِ عَلَيَّ مَذَاهِبُ السَّلَفِ، وَلَا مُحْدِثَ بِبَيَانِ مُشْكِلِهِ، وَلَا مُؤَرِّخٍ بِذِكْرِ أَسْمَاءِ رِجَالِهِ. وَلَا أُرِيدُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُتَعَمِّقِينَ، وَإِنَّمَا كَلَامِي فِي الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى اسْتِتَارِهَا وَاخْتِفَائِهَا وَخُمُولِهَا كـ: "مُسْنَدُ أَبِي يَعْلِيَ" وَ"مُصَنِّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ" … " (^١) إلخ.
1 "حجة الله البالغة" لولي الله الدهلوي (١/ ٢٣٣).
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout