﴿لاَ يََقُومُونَ إِِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ يَعْنِي مَنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَفِيهِ قَوْلَاَنِ: أَحَدُهُمَا: كَالسَّكْرَانِ مِنَ الْخَمْرِ يَقْطَعُ ظُهْرًَا لِبَطْنٍ، وَنَسَبَ إِلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ فِي سُكْرِهِ. وَالثَّانِي: قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ: لَاَ يَقُومُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَّاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمِسَّ، يَعْنِي الَّذِي يَخْنُقُهُ الشَّيْطَانُ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْمَسَ، يَعْنِي الْجُنُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْقِيَامَةِ عَلَامَةً لِأَكْلِ الرِّبَا فِي الدُّنْيَا. وَاخْتَلَفُوا فِي مَسِّ الْجُنُونِ، هَلْ هُوَ بِفِعْلِ الشَّيْطَانِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا مِنْ فِعْلِ اللَّهُ بِمَا يُحَدِّثُهُ مِنْ غَلَبَةِ السَّوْدَاءِ فَيَصْرَعُهُ، يُنْسَبُ إلَى الشَّيْطَانِ مَجَازًًا تَشْبِيهًٌا بِمَا يَفْعَلُهُ مِنْ إِغْوَائِهِ الَّذِي يَصْرِعُهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ بِتَمْكِينِ اللَّهِ لَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ، لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَلَيْسَ فِي الْعَقْلِ مَا يَمْنَعُهُ. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ قِيل إِنَّهُ يَعْنِي ثَقِيفًًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَكْثَرَ الْعَرَبِ رَبًَّا، فَلَمَّا نَهُوا عَنْهُ قَالُوا: كَيْفَ نَنْهَى عَنِ الرِّبَا وَهُوَ مِثْلُ الْبَيْعِ فَحَكَى اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْهُمْ، ثُمَّ أَبْطَلَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّشْبِيهِ بِالْبَيْعِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وللشافِعِي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ثلاثة أَقَاوِيل: أَحَدُهَا: أَنَّهَا مِنَ الْعَامِِّّ الَّذِي يَجْرِي عَلَى عُمُومِهِ فِي إبَاحَةِ كُلِّ بَيْعٍ وَتَحْرِيمِ كُلِّ رِبًا إِلَّا مَا خَصَّهُمَا دَلِيلٌ مِنْ تَحْرِيمِ بَعْضِ الْبَيْعِ وَإِحْلَالِ بَعْضِ الرِّبَا، فَعَلَى هَذَا اُخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ، هَلْ هُوَ مِنْ الْعُمُومِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومَ، أَوْ مِنْ الْعُمُومِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومَ وَإِنْ دَخَلَهُ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصَ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout