وَلِابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِحْلَةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتُونَ بِمَكَّةَ لِدَفْئِهَا، وَيُصِيفُونَ بِالطَّائِفِ لِهَوَائِهَا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
(تَشْتي بِمكة نعْمَةًُ ... وَمََصِيفُها بِالطَّائِِفِ)
وَهَذِهِ مِنْ جَلَاَئِلِ النِّعَمِ أَنْ يَكُونَ لِلْقَوْمِ نَاحِيَةً حُرٌّ تَدْفَعُ عَنْهُمْ بِرَدِّ الشِّتَاءِ وَنَاحِيَةً بَرْدٍ تَدْفَعُ عَنْهُمْ حُرّ الصَّيْفِ، فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ النِّعْمَةَ. ﴿فََلْيَعْبدوا ربَّ هذَا الْبََِّيْتِ﴾ أَمْرُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِعِبَادَتِهِ، وَفِي تَعْرِيفِ نَفْسِهِ لَهُمْ بِأَنَّهُ رَبُّ هَذَا الْبَيْتِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لِأَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ أَوْثَانِ، فَمَيِّزَ نَفْسَهُ عَنْهَا. الثَّانِي: أَنَّهُمْ بِالْبَيْتِ شَرَفُوا عَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ، فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ تَذْكِيرًٌا بِنِعْمَتِهِ. وَفِي مَعْنَى هَذَا الْأَمْرِ وَالضَّمِيرِ فِي دُخُولِ الْفَاءِ عَلَى قَوْلِهِ (فَلْيُعْبُدُوا) أَرْبَعَةً أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ بِأَنَّهُ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِرِحْلَةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. الثَّانِي: فَلْيَأْلِفُوا عِبَادَةَ رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ كَمَا أَلْفُوا رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفَ. الثَّالِثَ: فَلْيَعْبُدُوا رَبُّ هَذَا الْبَيْتِ لِأَنَّهُ أَطْعَمُهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمِنِهِمْ مِنْ خَوْفٍ. الرَّابِعِ: فَلْيَتْرُكُوا رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ بِعِبَادَةِ رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ، فَإِنَّهُ يُطْعِمُهُمْ مِنْ جُوعٍ وَيُؤْمِّنُهُمْ مِنْ خَوْفٍ لِيَتَوَفَّرُوا بِالْمَقَامِ عَلَى نُصْرَةِ رَسُولِهِ وَالذَّبِّ عَنْ دِينِهِ. ﴿الَّذِي أَطَْعََمََهمْ مِنْ جَُوعٍ﴾ فِيهِ ثَلَاَثَةَ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: أَطْعَمُهُمْ مِنْ جُوعٍ بِمَا أَعْطَاهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَسَاقَ إِلَيْهِمْ مِنَ الأَرْزَاقِ، قَالَهُ ابْنُ عِيسَى. الثَّانِي: أَطْعَمُهُمْ مِنْ جُوعٍ بِمَا اسْتَجَابَ فِيهِمْ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. حِينَ قَالَ: ﴿ُوَارِْزُقُهِمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. الثَّالِثُ: أَنَّ جُوعًَا أَصَابَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِ الْحَبَشَةِ أَنْ يَحْمِلُوا إِلَيْهِمْ طَعَامًًا، فَحَمَلُوهُ، فَخَافَتْ قُرَيْشٌ مِنْهُمْ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدِمُوا لِحَرْبِهِمْ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِمْ مُتَحَرِّزِينَ، فَإِذَا هُمْ قَدْ جَلَبُوا إِلَيْهِمْ الطَّعَامَ وَأَعَانُوهُمْ بِالأَقْوَاتِ، فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿َالَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوْعِ﴾.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout