الثَّانِي: لِمَنْ كَانَتْ لَهُ حَيَاةٌ وَنَفْسٌ مُمَيِّزَةً، فَعَبَّرَ عَنْ النَّفْسِ الْحَيَّةُ بِالْقَلْبِ لِأَنَّهُ وَطَنَهَا وَمَعْدِنُ حَيَاتِهَا. كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسَ:
(أُغْرِكِ مِنِّي أَنَّ حَبَّكَ قَاتِلِي ... وَأَنَّكَ مَهُمَا تَأْمُرِي الْقَلْبَ يَفْعَلُ)
﴿أَوْْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ فِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَلْقَى السَّمْعَ فِيمَا غَابَ عَنْهُ بِالْأَخْبَارِ، وَهُوَ شَهِيدٌ فِيمَا عَايَنُهُ بِالْحُضُورِ. الثَّانِي: مَعْنَاهُ سَمِعَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكُتُبِ وَهُوَ شَهِيدٌ بِصِحَّتِهِ. الثَّالِثِ: سَمِعَ مَا أَنْذَرَ بِهِ مِنْ ثَوَابٍ وَعُقَابٍ، وَهُوَ شَهِيدٌ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا عَمِلَ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ. وَفِي الْآيَةِ ثَلَاَثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا فِي جَمِيعِ أَهْلِ الْكُتُبِ، قَالَهُ قَتَادَةُ. الثَّانِي: أَنَّهَا فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى خَاصَّةً، قَالَهُ الْحَسَنُ. الثَّالِثُ: أَنَّهَا فِي أَهْلِ الْقُرْآنِ خَاصَّةً، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو صَالِحٍ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿َوَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ واللُّغُوبُ التَّعَبُ وَالنَّصْبُ. قَالَ الرَّاجِزُ:
(إِذا رَقَى الْحَادِي الْمَطِيُّ اللَّغَبَا ... وَانْتَعَلَ الظِّلُّ فَصَارَ جَوْرِبَا)
قَالَ قَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ، زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أَوَّلُهَا يَوْمَ الْأَحَدِ، وَآخِرُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاسْتَرَاحَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ، وَلِذَلِكَ جَعَلُوهُ يَوْمَ رَاحَةً، فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فََاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ هَذَا خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، أَمَرَ فِيهِ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْمُشْرِكُونَ، إِمَّا مِنْ تَكْذِيبٍ أَوْ وَعِيدٍ. ﴿وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ الآيَةُ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خِطَابًًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَهُوَ عَامٌّ لَهُ وَلِأَمَتِهِ. وَفِي هَذَا التَّسْبِيحِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَسْبِيحُهُ بِالْقَوْلِ تَنْزِيهًٌا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ، قَالَهُ أَبُو الأَحْوَصِ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout