ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ النَّصَارِىُّ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَالرَّبِيعِ وَأَسْبَاطٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ جَمِيعُ النَّاسِ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ التَّشْبِيهِ بَيْنَ صَوْمِنَا، وَصَوْمُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّشْبِيهَ فِي حُكْمِ الصَّوْمِ وَصِفَتِهِ، لَاَ فِي عَدَدِهِ لِأَنَّ الْيَهُودَ يَصُومُونَ مِنَ الْعَتَمَةِ إِلَى الْعُتْمَةِ، وَلَاَ يَأْكُلُونَ بَعْدَ النَّوْمِ شَيْئًٍا، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَاَمِ، لَاَ يَأْكُلُونَ بَعْدَ النَّوْمِ شَيْئًٌا حَتَّى كَانَ مِنْ شَأْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَبِي قَيْسِ بْنِ صَرْمَةَ مَا كَانَ، فَأَجَلَّ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ، وَهَذَا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (بَيْنَ صَومِنَا وَصَومِ أهلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ). والقَول الثَّانِي: أَنَّ التَّشْبِيهُ فِي عَدَدِ الصَّوْمِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّصَارِىَّ كَانَ اللَّهُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صِيَامُ ثَلَاَثِينَ يَوْمًًا كَمَا فُرِضَ عَلَيْنَا، فَكَانَ رُبَّمَا وَقَعَ فِي الْقَيْظِ، فَجَعَلُوهُ فِي الْفَصْلِ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، ثُمَّ كَفَّّرُوهُ بِصَوْمِ عِشْرِينَ يَوْمًَا زَائِدَةً، لِيَكُونَ تَمْحِيصًًا لِذُنُوبِهِمْ وَتَكْفِيرًٍا لِتَبْدِيلِهِمْ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ الْيَهُودُ كَانَ عَلَيْهِمْ صِيَامُ ثَلَاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ، وَثَلَاَثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، فَكَانَ عَلَى ذَلِكَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًٍا إِلَى أَنْ نُسَخَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ أَوَّلُ مَا نُسِخَ شَأْنُ الْقِبْلَةِ وَالصِّيَامِ الْأَوَّلِ. وَفِي قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قولان: أَحَدُهُمَا: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ مَا حَرُمَ عَلَيْكُمْ فِي الصِّيَامِ، مِنْ أَكْلِ الطَّعَامِ، وَشُرْبِ الشَّرَابِ، وَوَطْءِ النِّسَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout