يَخْلُقُ عَصْرَ، فَصَارَتْ هَذِهِ الْأَمَةُ خَلْفًًا لِلْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ. وَالثَّالِثَ: جَعَلَ بَعْضُهُمْ خَلِيفَةً لِبَعْضٍ لِيَتَآلَفُوا بِالتَّعَاوُنِ. وَالرَّابِعِ: لِأَنَّهُمْ آخِرُ الْأُمَمِ وَكَانُوا خَلْفًَا لِمَنْ تَقَدَّمَهُمْ، قَالَ الشَّمَاخُ:
(تُصِيبُكُمْ وَتَخْطَئِى الْمَنَايَا ... وَأَخْلَقَ فِي رُبُوعٍ عَنْ رُبُوعِ)
﴿وَرَفَعَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضِ دَرَجَاتِ﴾ٍ يَعْنِي مَا خَالَفَ بَيْنَهُمْ فِي الْغِنَى بِالْمَالِ وَشَرَفِ الْآبَاءِ وَقُوَّةُ الْأَجْسَامِ، وَهَذَا، وَإِنْ ابْتَدَأَهُ تَفْضَّلًَا مِنْ غَيْرِ جَزَاءٍ وَلَا اسْتِحْقَاقً، لِحُكْمِهِ مِنْهُ تَضَمَّنَتْ تَرْغِيبًًا فِي الْأَعْلَى وَتَرْهِيبًًا مِنْ الْأَدْنَى، لِتَدَمَ لَهُ الرَّغْبَةُ وَالرُّهْبَةَ. وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لْيَبْلُوكُمْ فِيمَا ءَاتَاكُمْ﴾ يَعْنِي مِنْ الْغِنَى وَالْقُوَّةِ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لِيَخْتَبِرَكُمْ بِالِاعْتِرَافِ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعَ الْعِقَابِ﴾ِ فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ جَعَلَهُ سَرِيعًٌا وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ. فَعَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿َوْمَا أَمَرَ السَّاعَةَ إلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النَّحْلُ: ٧٧]. والثَّانِي: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعٌ الْعِقَابِ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ اُسْتُحِقَّ مِنْهُ تَعْجِيلُ الْعِقَابِ فِيهَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إذَا شَاءَ عَاقِبً، فَصَارَ عِقَابَهُ سَرِيعًٌا لِأَنَّهُ يَقْتَرِنُ بِمَشِيئَتِهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ بَحْرٍ. ﴿وَإِنَّهُ لِغَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ جَمْعًَا مِنْهُ بَيْنَ مَا يَقْتَضِي الرَّهْبَةَ مِنْ سُرْعَةِ الْعِقَابِ وَبَيْنَ مَا يَقْتَضِي الرَّغْبَةَ مِنْ الْغُفْرَانِ وَالرَّحْمَةِ، لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الرَّغْبَةِ وَالرُّهْبَةِ أَبْلَغُ فِي الْإِنْقِيَادِ إلَى الطَّاعَةِ وَالْإِقْلَاعِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout