اسْتَوْدَعْتَنى، عالمٌ بما أوْلَيْتَنى؛ لأن ذلك عَقِيبُ قولِه: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ ومسألتِه الملكَ اسْتِكْفاءَه خَزائنَ الأرضِ. فكان إعلامُه بأنَّ عندَه خبرةً في ذلك، وكفايتِه إياه، أشبهَ مِن إعلامِه حِفْظَه الحسابَ ومعرفتَه بالألسنِ.
يقولُ تعالى ذكرُه: وهكذا وطَّأْنا ليوسُفَ في الأرضِ - [يعنى أرضَ مصرَ] (^١) - ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾. يقولُ: يَتَّخِذُ مِن أَرضِ مصرَ مَنْزِلًا حيث يَشاءُ، بعدَ الحبسِ والضِّيقِ، ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ مِن خَلقِنا، كما أصَبْنا يوسُفَ بها، فمكَّنَّا له في الأرضِ بعد العُبودةِ والإسارِ، وبعد الإلقاءِ في الجُبِّ، ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: ولا نُبْطِلُ جزاءَ عملِ مَن أحْسَن، فأطاع ربَّه، وعمِل بما أمَرَه وانْتَهَى عما نهاه عنه، كما لم نُبْطِلْ جزاءَ عملِ يوسُفَ، إذ أحْسَن فأطاع اللَّهَ.
وكان تَمْكينُ اللهِ ليوسُفَ في الأرضِ، كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: لما قال يوسُفُ للملك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. قال الملكُ: قد فعَلْتُ. فولَّاه - فيما يَذْكُرون - عملَ إطفيرَ، وعزَل إطفيرَ عما كان عليه، يقولُ اللهُ: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ الآيةَ.
قال: فذُكِر لى - واللهُ أعلمُ - أن إطفيرَ هلَك في تلك الليالى، وأن الملكَ الريانَ بنَ الوليدِ زوَّج يوسُفَ امرأةَ إطفيرَ راعيلَ، وأنها حينَ دخَلَت عليه، قال: أليس
1 في ص، ت ٢: "يعنى في أرض ملك مصر".
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout