وبَعْدُ، فجائزٌ أن يكونَ تحريمُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ما حرَّم على نفسِه من الحلالِ الذي كان اللَّهُ عز وجل أحلَّه له بيمينٍ، فيكونَ قولُه: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ معناه: لِمَ تحلفُ على الشيءِ الذي قد أحلَّه اللَّهُ ألَّا تقربَه، فتحرِّمَه على نفسِك باليمينِ؟
وإنما قلنا: إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم حرَّم ذلك، وحلَف مع تحريمِه؛ لما حدَّثني الحسنُ بنُ قَزَعةَ، قال: ثنا مَسلمةُ بنُ علقمةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: آلَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وحرَّم، فأُمِرَ [في الإيلاءِ] (^١) بكفارةٍ، وقيل له في التحريمِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (^٢).
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لمحمدٍ: واللَّهُ غفورٌ [يا محمدُ] (^٣) لذنوبِ التائبين مِن عبادِه [من ذُنُوبِهم] (^٤)، وقد غفَر لك تحريمَكَ على نفسِكَ ما أحلَّه اللَّهُ لك، رحيمٌ بعبادِه أن يُعاقبَهم على ما قد تابوا منه من الذنوبِ بعدَ التوبةِ.
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يقولُ تعالى ذكرُه: قد بيَّن اللَّهُ عز وجل لكم تَحلَّةَ أيمانِكم، وحَدَّها لكم أيُّها الناسُ، ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾: يتولاكم بنصرِه أيُّها المؤمنون، وهو العَلِيمُ بمصالحِ خلقِه، الحَكِيمُ في تدبيرِه إياهم، وصرفِهم فيما هو أعلَمُ به.
1 في الأصل: "بالإيلاء".
2 أخرجه ابن ماجه (٢٠٧٢)، والترمذي (١٢٠١)، وابن حبان (٤٢٧٨)، والبيهقي ٧/ ٣٥٢ من طريق الحسن به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٢ إلى ابن مردويه.
3 في الأصل: "رحيم".
4 سقط من: الأصل.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout