إلَّا بِأَنَّهُ اسْتِمْدَادٌ مِنْ وَحْيِ السَّمَاءِ وَاسْتَنَادَ إلَى مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَحَدِيثُ عَمَّنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يَجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ؟!
الْمِثَالُ السَّابِعُ مَا جَاءَ مِنْ التَّنَبُّؤِ بِمُسْتَقْبَلِ الْإِسْلَامِ وَنِجَاحِهِ نِجَاحًا بَاهِرًا فَقَدْ أَخْبَرَ الْقُرْآنَ وَالْمُسْلِمُونَ فِي مَكَّةَ قَلِيلٌ مُسْتَضْعِفُونَ فِي الْأَرْضِ يَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَهُمْ النَّاسُ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ سَيَظْهَرُ وَيَبْقَى وَأَنَّ كِتَابَهُ سَيَكْتُبُ لَهُ الْحِفْظُ وَالْخُلُودُ مُنْفَرِدًا بِهَذِهِ الْمَيْزَةِ عَنْ سَائِرِ كَتَبِ اللَّهِ اقْرَأْ إنْ شِئْت قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الرَّعْدِ: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ وفِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، ُتؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ وفِي سُورَةِ الْحَجَرِ: ﴿إِِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
أجل في هَذه السُّور الثَّلاثُ الْمَكِيَّةُ قَطَعَ الْقُرْآنُ هَذِهِ الْعُهُودُ الْمُؤَكَّدَةَ بِتِلْكَ اللُّغَةِ الْوَاثِقَةِ وَالإِسْلَامِ يَوْمَئِذٍ فِي مَكَّةَ مَدْفُوعٍ مُضْطَهِّدٍ وَالْمُسْلِمُونَ قَلِيلٌ مُسْتَضْعِفُونَ فِي الأَرْضِ يَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَهُمْ النَّاسُ وَلَيْسَ هُنَاكَ مِنْ بِوَاسِمِ الْآمَالِ مَا يُلْقِي ضَوْءًا عَلَى نِجَاحِ هَذَا الدِّينِ الْوَلِيدِ وَلَئِنْ الْتَمَسَتَ هَذِهِ الْآمَالَ فِي نَفْسِ الدَّاعِي مِنْ طَبِيعَةِ دَعْوَتِهِ فَمَا كَانَتْ لِتَصِلَ إِلَى هَذَا الْحَدِّ مِنْ الْيَقِينِ وَالتَّأْكِيدِ وَلَئِنْ وَصَلَتْ إِلَى هَذَا الْحَدِّ مَا دَامَ صَاحِبُهَا حَيًّا يَتَعَهَّدُهَا بِنَفْسِهِ وَيُغَذِّيهَا بِنِشَاطِهِ فَلَيْسَ لَدَيْهِ مِنْ الْعَوَامِلِ مَا يَجْعَلُهُ يَثِقُ بِهَذَا النِّجَاحِ بَعْدَ مَوْتِهِ مَعَ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ بِأَنَّ الْمُسْتَقْبَلَ مَلِيءٌ بِتَشْتِيتِ الْمُفَاجِآتِ وَاللَّيَالِي مِنَ الزَّمَانِ حَبَالَى مُثَقَّلَاتٍ وَالتَّارِيخُ لَا يَزَالُ يَقُصُّ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ نَبَأٌ مَنْ قَتِلَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا ضَاعَ أَوْ حَرْفَ مِنْ كَتُبِ اللَّهِ وَوَحْيِ السَّمَاءِ وَمَا حُبِطَ مِنْ دَعَوَاتِ الْحَقِّ وَنَهْضٍ مِنْ دَعَوَاتِ الْبَاطِلِ كُلُّ ذَلِكَ فَقَدْ كَانَ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ بِالرَّجُلِ الْأَخْرَقِ الَّذِي يَسِيرُ مَعَ الْأَوْهَامِ أَوْ يَطِيرُ مَعَ الْخِيَالِ أَوْ يَطْلُبُ الْمَجْدُ عَنْ طَرِيقِ الْأَحْلَامِ الْمَكْذُوبَةِ وَالْآمَالِ الْمَعْسُولَةِ بَلْ كَانَ مَعْرُوفًا مُنْذُ نَشَأَتُهُ بِتَوَاضُعِهِ وَرَجَاحَةِ عَقْلِهِ وَاتِّزَانِهِ وَدَقَّتِهِ حَتَّى لَقَدْ كَانَ يَثْبُتُ فِي كَلَامِهِ وَيَتَحَرَّى إِلَى أَنَّ لَقَبَ وَاشْتُهِرَ بِأَنَّهُ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّادِقُ الْأَمِينَ وَجَاءَ الْقُرْآنُ نَفْسَهُ يَشْهَدُ بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُبُوتِهِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout