غَيْبَ الْمُسْتَقْبَلِ:
وَأَمَّا غَيْبُ الْمُسْتَقْبَلِ فَنَمَثِلُ لَهُ بِأَمْثِلَةِ عَشْرَةَ:
الْمِثَالُ الْأَوَّلُ إخْبَارُ الْقُرْآنِ عَنْ الرُّومِ بِأَنَّهُمْ سَيَنْتَصِرُونَ فِي بُضْعِ سِنِينَ مِنْ إعْلَانِ هَذَا النَّبَأِ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ فِيهِ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ،فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
وبَيَانُ ذَلكَ أَنَّ دُوْلَةَ الرُّومَانِ وَهِيَ مَسِيحِيَّةٌ كَانَتْ قَدْ انْهَزَمَتْ أَمَامَ دَوْلَةِ الْفَرَسِ وَهِيَ وَثَنِيَّةٌ فِي حُرُوبٍ طَاحِنَةٍ بَيْنَهُمَا سَنَةٌ ٦١٤م فَاغْتَمْ الْمُسْلِمُونَ بِسَبَبِ أَنَّهَا هَزِيْمَةٌ لِدَوْلَةٍ مُتَدِينَةٍ أَمَامَ دَوْلَةٍ وَثَنِيَّةٌ وَفَرَحَ الْمُشْرِكُونَ وَقَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ فِي شَمَاتَةِ الْعَدُوِّ إِنَّ الرُّومَ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وَقَدْ غَلَبَهُمْ الْمَجُوسُ وَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ سَتَغْلِبُونَ بِالْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ فَسَنَغْلِبُكُمْ كَمَا غَلَبْتَ فَارِسَ الرُّومِ فَنَزَلَتْ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ يُبَشِّرُ اللّهُ فِيهَا الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ هَزِيْمَةَ الرُّومِ هَذِهِ سَيَعْقِبُهَا انْتِصَارٌ فِي بُضْعِ سِنِينَ أَيْ فِي مُدَّةٍ تَتَرَاوَحُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ سَنَوَاتٍ وَتِسْعٍ وَلَمْ يَكُ مَظْنُونًا وَقْتَ هَذِهِ الْبَشَارَةِ أَنّ الرُّومَ تَنْتَصِرُ عَلَى الْفَرَسِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ الْوَجِيزَةِ بَلْ كَانَتْ الْمُقَدِّمَاتُ وَالْأَسْبَابُ تَأْبَى ذَلِكَ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْحُرُوبَ الطَّاحِنَةَ أَنْهَكَتْهَا حَتَّى غَزِيْتْ فِي عُقْرِ دَارِهَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّصُّ الْكَرِيمُ ﴿فَِي أََدِْنَى الْأَرْضِ﴾ ولأن دَولَةَ الْفَرَسِ كَانَتْ قَوِيَّةُ مَنِيعَةً وَزَادَهَا الظُّفَرُ الْأَخِيرُ قُوَّةً وَمَنَعَةً حَتَّى إِنَّهُ بِسَبَبِ اسْتِحَالَةِ أَنْ يَنْتَصِرَ الرُّومُ عَادَةً أَوْ تَقُومُ لَهُمْ قَائِمَةٌ رَاهِنٌ بَعْضِ الْمُشْرِكِينَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى تَحَقُّقِ هَذِهِ النُّبُوءَةِ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَتَحَقَّقَتْ نُبُوءَةُ الْقُرْآنِ سَنَةً ٦٢٢ م الْمُوَافَقَةُ لِلسُّنَّةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ.
وَمِمَّا هُوَ جَدِيرٌ بِالذِّكَرِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَفْسَهَا حَمَلَتْ نُبُوءَةً أُخْرَى وَهِيَ الْبَشَارَةُ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَيُفْرِحُونَ بِنَصْرِ عَزِيزٍ فِي هَذِهِ الْوَقْتِ الَّذِي يَنْتَصِرُ فِيهِ الرُّومُ ﴿وََيََوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout