وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ اشْتَمَلَ عَلَى أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الْغُيُوبِ الَّتِي لَا عِلْمَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا وَلَا سَبِيلَ لِمِثْلِهِ أَنْ يُعْلَمَهَا مِمَّا يَدُلُّ دَلَالَةَ بَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى تِلْكَ الْغُيُوبِ لَا يَعْقِلُ أَنْ يَكُونَ نَابِعًا مِنْ نَفْسِ مُحَمَّدٍ وَلَا غَيْرِ مُحَمَّدٍ مِنْ الْخَلْقِ بَلْ هُوَ كَلَامُ عَلَامِ الْغُيُوبِ وَقُيَومِ الْوُجُودِ الَّذِي يَمْلِكُ زِمَامَ الْعَالِمِ ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فَِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ .
من ذلك قَصَصَ عَنِ الْمَاضِي الْبَعِيدِ الْمُتَغَلِّغِلِ فِي أَحْشَاءِ الْقَدَمِ وَقَصَصَ عَنْ الْحَاضِرِ الَّذِي لَا سَبِيلَ لِمُحَمَّدٍ إلَى رُؤْيَتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ فَضْلًا عَنْ التَّحَدُّثِ بِهِ وَقَصَصَ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ الْغَامِضِ الَّذِي انْقَطَعَتْ دُونَهُ الْأَسْبَابَ وَقَصُرَتْ عَنْ إدْرَاكِهِ الْفِرَاسَةِ وَالْأَلْمَعِيَّةِ وَالذَّكَاءِ وَسِرِّ الْإِعْجَازِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّهُ وَقَعَ كَمَا حَدَثَ وَمَا تَخَلَّفَ وَجَاءَ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ فِي إجْمَالِ مَا أَجْمَلَ وَتَفْصِيلُ مَا فَصَلَ وَأَنَّهُ إنْ اخْبِرَ عَنْ غَيْبِ الْمَاضِي صَدَّقَهُ مَا شَهِدَ بِهِ التَّارِيخُ وَإِنْ أَخْبَرَ عَنْ غَيْبِ الْحَاضِرِ صِدَّقَهُ مَا جَاءَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَمَا يَجِدُ فِي الْعَالِمِ مِنْ تَجَارَبٍ وَعُلُومٍ وَإِنْ أَخْبَرَ عَنْ غَيْبِ الْمُسْتَقْبَلِ صِدْقَهُ مَا تَلِدَهُ اللَّيَالِي وَمَا تَجِيءُ بِهِ الْأَيَّامُ.
غَيِّبُ الْمَاضِي:
أَمَّا غُيُوبُ الْمَاضِي فِي الْقُرْآنِ فَكَثِيرَةٌ تَتَمَثَّلُ فِي تِلْكَ الْقَصْصِ الرَّائِعَةِ الَّتِي يُفِيضُ بِهَا التَّنْزِيلُ وَلَمْ يَكُنْ لِعِلْمِ مُحَمَّدٍ بِهَا مِنْ سَبِيلَ.
مِنْهَا قِصَّةُ نُوحِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ .
ومِنهَا قِصَّةُ مُوسَى الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ فِيهَا: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout