يَهْدِي بِهِ خَلْقَهُ. وَيَظْهَرُ بِهِ حَقُّهُ عَلَى وَجْهٍ يَجْعَلُ ذَلِكَ الْكَلَامَ مُنْتَقِشًا فِي قَلْبِ رَسُولِهِ حَتَّى يُحْكُمَهُ بِدَقَّةً وَإِتْقَانٍ كَذَلِكَ؟
الدَّلِيلِ الرَّابِعِ: أَنَّنَا نُشَاهِدُ بَعْضُ الْحَيَوَانَاتِ الدُّنْيَا تَأْتِي بِعَجَائِبِ الْأَنْظِمَةِ وَالْأَعْمَالِ مِمَّا نَحِيلُ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عَنْ تَفْكِيرٍ لَهَا أَوْ غَرِيزَةٍ سَاذِجَةٍ فِيهَا وَمِمَّا يَجْعَلُنَا نُوقَنَ بِأَنَّهَا لَمْ تَصْدُرْ فِي ذَلِكَ إلَّا عَنْ إرَادَةٍ عَلِيًّا تُوُحِّي إلَيْهَا وَتَلْهِمُهَا تِلْكَ الْعَجَائِبُ وَالْغَرَائِبُ مِنْ الصِّنَاعَاتِ وَالْأَعْمَالِ وَالدِّقَّةِ وَالِاحْتِيَالِ.
وَإِذَا صَحَّ هَذَا فِي عَالِمِ الْحَيَوَانِ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَصِحَّ فِي عَالِمِ الْإِنْسَانِ حَيْثُ اسْتِعْدَادُهُ لِلِاتِّصَالِ بِالْأَفَقِ الْأَعْلَى يَكُونُ أَقْوَى وَأَخَذَهُ عَنْهُ يَكُونُ أَتَمَّ وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ بِطَرِيقِ الْوَحْي.
وَإِنْ شِئْت أَمْثِلَةً لِتِلْكَ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي ضَرَبْنَاهَا لَك مَثَلًا فِي إلْهَامَاتِهِ الْعَلَوِيَّةِ فَدُونَكَ النَّمْلَ وَالنَّحْلَ وَمَا تَأْتِيَانِ مِنْ ضُرُوبِ الْأَعْمَالِ وَدِقَّةِ النَّظَامِ. وَهَاكَ حَيَوَانًا غَرِيبًا أَسْمُوهُ اكْسِيْكُلُوبَ. وَقَالَ عَنْهُ الْأُسْتَاذُ مِيْلَنَّ إدْوَارُ الْمُدَرِّسِ بِجَامِعَةِ السُّورِبُونَ بِفَرُنْسَا مَا تَرْجَمَتهُ إنَّ الْحَيَوَانَاتِ الْمُسَمَّاةَ اكْسِيْكُلُوبَ تَعِيُّشٌ مُنْفَرِدَةً وَتَمُوتُ بَعْدَ أَنْ تَبِيضَ مُبَاشَرَةً وَتَخْرُجُ صِغَارُهَا عَلَى حَالَةِ دِيدَانٍ لَا أَرْجُلُ لَهَا وَلَا تَسْتَطِيعُ حِمَايَةَ نَفْسِهَا مِنْ أَيَّةٍ عَادِيَةٍ كَمَا لَا تَسْتَطِيعُ الْحُصُولَ عَلَى غِذَائِهَا. وَمَعَ ذَلِكَ فَحَيَاتُهَا تَقْتَضِي أَنْ تَعِيشَ مُدَّةَ سَنَةٍ فِي مَسْكَنٍ مُقْفَّلٍ وَفِي هُدُوءٍ تَامٍّ وَإِلَّا هَلَكَتْ.
فَتَرَى الْأُمُّ مَتَى حَانَ وَقْتَ بَيْضِهَا تَعَمُّدُ إلَى قِطْعَةٍ مِنْ الْخَشَبِ فَتُحْفِرُ فِيهَا سِرْدَابًا طَوِيلًا فَإِذَا أَتَمَّتهُ أَخَذَتْ فِي جَلْبٍ ذَخِيرَةٍ إلَيْهِ تَكْفِي صَغِيرًا وَاحِدًا مُدَّةَ سَنَةِ تِلْكَ الذَّخِيرَةِ هِيَ طَلْعُ الْأَزْهَارِ وَبَعْضُ الْأَوْرَاقِ السَّكْرِيَّةِ فَتَحْشُو بِهَا قَاعَ السَّرْدَابُ ثُمَّ تَضَعُ عَلَيْهِ بَيْضَةً وَاحِدَةً ثُمَّ تَأْتِي بِنَشَارَةِ الْخَشَبِ وَتَكُونُ مِنْهَا عَجِينَةً تَجْعَلُهَا سَقْفًا عَلَى تِلْكَ الْبَيْضَةِ ثُمَّ تَأْتِي بِذَخِيرَةٍ أُخْرَى فَتَضَعَهَا فَوْقَ ذَلِكَ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout