النَّاظِرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ الْكَرِيمِ بِإِنْصَافٍ تَتَرَاءَى لَهُ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنْ الْإِعْجَازِ كَمَا تَتَرَاءَى لِلنَّاظِرِ إلَى قِطْعَةٍ مِنْ الْمَاسِّ أَلْوَانِ عَجِيبَةً مُتَعَدِّدَةٌ بِتَعَدُّدِ مَا فِيهَا مِنْ زَوَايَا وَأَضْلَاعٍ وَمُخْتَلِفَةٍ بِاخْتِلَافِ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ النَّاظِرُ وَمَا تَكُونُ عَلَيْهِ قِطْعَةُ الْمَاسِّ مِنْ الْأَوْضَاعِ وَسَنَبْدَأُ بِمَا نَرَاهُ سَلِيمًا مِنْ الْمَطَاعِنِ ثُمَّ نَقْفِي بِمَا لَا يُسَلِّمُ فِي نَظَرْنَا مِنْ طَعْنَ.
أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَلَغَتْهُ وَأُسْلُوبُهُ عَلَى نَحْوِ مَا فَصَّلْنَاهُ فِي الْمَبْحَثِ السَّابِقِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ بِهَذَا الْأُسْلُوبِ الرَّائِعِ الْخِلَابُ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَى تِلْكَ الْخَصَائِصِ الْعُلْيَا الَّتِي تَحَدَّثْنَا عَنْهَا وَاَلَّتِي لَمْ تَجْتَمِعْ بَلْ لَمْ تُوجَدْ خَاصَّةً وَاحِدَةً مِنْهَا فِي كَلَامٍ عَلَى نَحْوِ مَا وُجِدَتْ فِي الْقُرْآنِ وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَهُوَ لَا شَكَّ مُعْجَزٌ خُصُوصًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحَدَّى بِهِ فَأَعْجَزَ أَسَاطَينَ الْفُصَحَاءَ وَأَعْيًا مَقَاوِيلَ الْبُلَغَاءِ وَأَخْرَسَ أَلْسِنَةَ فَحَوْلَ الْبَيَانِ مِنْ أَهْلِ صِنَاعَةِ اللِّسَانِ وَذَلِكَ فِي عَصْرٍ كَانَتْ الْقُوَى فِيهِ قَدْ تَوَافَرَتْ عَلَى الْإِجَادَةِ وَالتَّبْرِيزِ فِي هَذَا الْمَيدَانِ وَفِي أَمَةٍ كَانَتْ مَوَاهِبُهَا مَحْشُودَةً لِلتَّفَوُّقِ فِي هَذِهِ النَّاحِيَةِ وَإِذَا كَانَ أَهْلُ الصِّنَاعَةِ هَؤُلَاءِ قَدْ عَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ فَغَيْرُهُمْ أَشَدُّ عَجْزًا وَأَفْحَشَ عِيَا.
وَهَا قَدْ مَرَّتْ عَلَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ عَهْدِ نُزُولِ الْقُرْآنِ إلَى عُصْرِنَا هَذَا أَدْوَارٌ مُخْتَلِفَةِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout