وَلَا احْتِمَالًا لِأَنَّ نَفْيَ مِثْلِ الْمِثْلِ يَتْبَعُهُ فِي الْعَقْلِ نَفْيُ الْمِثْلِ أَيْضًا وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ هُنَاكَ مِثْلَ لِلَّهِ لَكَانَ لِهَذَا الْمِثْلِ مِثْلُ قَطْعًا وَهُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ نَفْسُهُ فَإِنَّ كُلَّ مُتَمَاثِلَيْنِ يُعَدُّ كِلَاهُمَا مَثَلًا لِصَاحِبِهِ وَإِذَا لَا يَتِمُّ انْتِفَاءُ مِثْلِ الْمِثْلِ إلَّا بِانْتِفَاءِ الْمِثْلِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَقُصَارَى هَذَا التَّوْجِيهُ لَوْ تَامَلَتْهُ أَنَّهُ مُصَحَّحٌ لَا مُرَجِّحَ أَيْ أَنَّهُ يَنْفِي الضَّرَرَ عَنْ هَذَا الْحَرْفِ وَلَكِنَّهُ لَا يَثْبُتُ فَائِدَتُهُ وَلَا يُبَيِّنُ مَسِيسَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ أَلَسْتْ تَرَى أَنَّ مُؤَدِّيَ الْكَلَامِ مَعَهُ كَمُؤَدَاهُ بِدُونِهِ سَوَاءٌ وَأَنَّهُ إنْ كَانَ قَدْ ازْدَادَ بِهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا ازْدَادَ شَيْئًا مِنْ التَّكَلُّفِ وَالدَّوَرَانِ وَضَرْبًا مِنْ التَّعْمِيَةِ وَالتَّعْقِيدِ وَهَلْ سَبِيلُهُ إلَّا سَبِيلَ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَقُولَ هَذَا أَخُو فُلَانٍ فَقَالَ هَذَا ابْنُ أُخْتٍ خَالَةَ فُلَانٍ فَمَالُهُ إذَا إلَى الْقَوْلِ بِالزِّيَادَةِ الَّتِي يَسْتَرُونَهَا بِاسْمِ التَّأْكِيدِ ذَلِكَ الِاسْمُ الَّذِي لَا نَعْرِفُ لَهُ مُسَمًّى هَا هُنَا فَإِنَّ تَأْكِيدَ الْمُمَاثَلَةِ لَيْسَ مَقْصُودًا أَلْبَتَّةَ وَتَأْكِيدُ النَّفْيِ بِحَرْفٍ يَدُلُّ عَلَى التَّشْبِيهِ هُوَ مِنْ الْإِحَالَةِ بِمَكَانَ.
وَلَوْ رَجَعَتْ إلَى نَفْسِك قَلِيلًا لَرَأَيْت هَذَا الْحَرْفَ فِي مَوْقِعِهِ مُحْتَفِظًا بِقُوَّةِ دَلَالَتِهِ قَائِمًا بِقِسْطِ جَلِيلٍ مِنْ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ فِي جُمْلَتِهِ وَأَنَّهُ لَوْ سَقَطَ مِنْهَا لَسَقَطَتْ مَعَهُ دَعَامَةُ الْمَعْنَى أَوْ لِتَهَدُّمِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ وَنَحْنُ نَبَيِّنٍ لَك هَذَا مِنْ طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا أَدَقَّ مُسْلَكًا مِنْ الْآخَرِ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَدْنَى الطَّرِيقَيْنِ إلَى فَهْمِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَيْسَ مِثْلُهُ شَيْءٌ لَكَانَ ذَلِكَ نَفْيًا لِلْمِثْلِ الْمُكَافِئِ وَهُوَ الْمِثْلُ التَّامُّ الْمُمَاثَلَةُ فَحَسَبَ إذْ إنَّ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي يَنْسَاقُ إلَيْهِ الْفَهْمُ مِنْ لَفْظِ الْمِثْلِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ وَإِذَا لَدِبَ إلَى النَّفْسِ دَبِيبَ الْوَسَاوِسِ وَالْأَوْهَامِ أَنَّ لَعَلَّ هُنَالِكَ رُتْبَةً لَا تُضَارَعُ رُتْبَةَ الْأُلُوهِيَّةِ وَلَكِنَّهَا تَلِيهًا وَأَنَّ عَسَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ لِلْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ أَوْ لِلْكَوَاكِبِ وَقَوَى الطَّبِيعَةِ أَوْ لِلْجِنِّ وَالْأَوْثَانِ وَالْكَهَّانِ فَيَكُونُ لَهُمْ بِالْإِلَهِ الْحَقُّ شِبْهَ مَا فِي قُدْرَتِهِ أَوْ عِلْمِهِ وَشِرْكِ مَا فِي خَلْقِهِ أَوْ أَمَرِهُ فَكَانَ وَضْعُ هَذَا الْحَرْفِ فِي الْكَلَامِ إقْصَاءً لِلْعَالِمِ كُلِّهِ عَنْ الْمُمَاثَلَةِ وَعَمَّا يُشْبِهُ الْمُمَاثَلَةَ وَمَا يَدْنُو مِنْهَا كَأَنَّهُ قِيلَ لَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَثَلًا لِلَّهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مَثَلًا لَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَهَذَا بَابٌ مِنْ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فََلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ نَهْيا عَنْ يَسِيرِ الْأَذَى صَرِيحًا وَعَمَّا فَوْقَ الْيَسِيرِ بِطَرِيقِ الْأُحْرَى.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout