وَإِذَا افْتَرَضْنَا أَنَّ بَلِيغًا كَتَبَ لَهُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْغَايَتَيْنِ وَهُمَا الْقَصْدُ فِي اللَّفْظِ مَعَ الْوَفَاءِ بِالْمَعْنَى فِي جُمْلَةٍ أَوْ جُمْلَتَيْنِ مِنْ كَلَامِهِ فَإِنَّ الْكَلَالَ وَالْإِعْيَاءَ لَا بُدَّ لَاحِقًا بِهِ فِي بَقِيَّةِ هَذَا الْكَلَامِ وَنَدْرٌ أَنْ يُصَادِفَهُ هَذَا التَّوْفِيقُ مَرَّةً ثَانِيَةً إلَّا فِي الْفِينَةِ بَعْدَ الْفِينَةِ كَمَا تَصَادَفُ الْإِنْسَانُ قِطْعَةً مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْمَاسِّ فِي الْحِينِ بَعْدَ الْحِينِ وَهُوَ يَبْحَثُ فِي التُّرَابِ أَوْ يَنْقُبُ بَيْنَ الصُّخُورِ.
وَإِنْ كُنْت فِي شَكٍّ فَسَائِلُ أَئِمَّةِ الْبَيَانِ وَصَيَارَفَتُهُ هَلْ ظُفَرْتُمْ بِقِطْعَةٍ مِنْ النَّثْرِ أَوْ بِقَصِيدَةٍ مِنْ الشَّعْرِ كَانَتْ كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا جَامِعًا بَيْنَ وَفَاءِ الْمَعْنَى وَقَصْدِ اللَّفْظِ؟ هَا هُمْ أَوْلَاءً يَعْلِنُونَ حُكْمَهُمْ صَرِيحًا بِأَنْ أَبْرَعَ الشُّعَرَاءَ لَمْ يَكْتُبْ لَهُ التَّبْرِيزُ وَالْإِجَادَةُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَعْنَى النَّاصِعِ وَاللَّفْظِ الْجَامِعِ إلَّا فِي أَبْيَاتٍ مَعْدُودَةٍ مِنْ قَصَائِدَ مَحْدُودَةٍ أَمَّا سَائِرُ شَعْرِهِمْ بَعْدَ فَبَيْنَ مُتَوَسِّطٍ وَرَدِيءٍ وَهَا هُمْ أَوْلَاءٌ يَعْلِنُونَ حُكْمَهُمْ هَذَا نَفْسَهُ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ عَلَى النَّاثِرِينَ مِنْ الْخُطَبَاءِ وَالْكِتَابِ.
وَإِنْ أَرَدْت أَنْ تَلْمَسَ بِيَدِك هَذِهِ الْخَاصَّةَ فَافْتَحْ الْمُصْحَفُ الشَّرِيفَ مَرَّةً وَاعْمَدْ إلَى جُمْلَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَأَحَصُّهَا عَدَدًا ثُمَّ خُذْ بِعَدَدِ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ مِنْ أَيِّ كَلَامٍ آخَرَ وَقَارِنَ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ وَوَازِنَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ وَانْظُرْ أَيُّهُمَا أَمْلَأُ بِالْمَعَانِي مَعَ الْقَصْدِ فِي الْأَلْفَاظِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَيْ كَلِمَةً تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْقُطَهَا أَوْ تَبَدُّلَهَا بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْكَلَامِ الْإِلَهِيّ وَكَمْ كَلِمَةٌ يَجِبُ أَنْ تَسْقُطَهَا أَوْ تَبَدُّلَهَا فِي ذَلِكَ الْكَلَامِ الْبَشْرِيُّ؟ إنَّك إذَا حَاوَلَتْ هَذِهِ الْمُحَاوَلَةَ فَسَتَنْتَهِي إلَى هَذِهِ الْحَقِيقَةِ الَّتِي أَعْلَنَهَا ابْنُ عَطِيَّةَ فِيمَا يَحْكِي السُّيُوطِيُّ عَنْهُ وَهُوَ يَتَحَدَّثُ عَنْ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ إذْ يَقُولُ لَوْ نَزَعَتْ مِنْهُ لَفْظَةٌ ثُمَّ أَدِيرَ لِسَانَ الْعَرَبِ عَلَى لَفْظَةِ أَحْسَنَ مِنْهَا لَمْ تُوجَدْ اهْـ وَذَلِكَ بِخِلَافِ كَلَامِ النَّاسِ مَهْمَا سَمّا وَعَلَا حَتَّى كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَأَشْرَقْتْ نَفْسَهُ بِنُورِ النُّبُوَّةِ وَالْوَحْيِ وَصِيغَ عَلَى أَكْمَلِ مَا خَلَقَ اللَّهُ فَإِنَّهُ مَعَ تَحْلِيقِهِ فِي سَمَاءِ الْبَيَانِ وَسَمُّوهُ عَلَى كَلَامِ كُلِّ إنْسَانٍ لَا يَزَالُ هُنَاكَ بَوْنٌ بَعِيدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقُرْآنِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَهُ اللَّهُ الْعَظِيمُ!.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout