وَلِأَنَّهُ عَزَّ سُلْطَانُهُ هُوَ الْقَادِرُ وَحْدَهُ عَلَى تَضْمِينِ كَلَامِهِ كُلُّ الْمُنَاسَبَاتِ الَّتِي اقْتَضَتْهَا تِلْكَ الْأَحْوَالَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي لَمْ يَحُطَّ وَلَنْ يُحِيطَ بِهَا سِوَاهُ وَمِنْ الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحِيطَ بِكُلِّ أَحْوَالِ الْخَلْقِ وَفِيهَا الْخَفِيُّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا مَنْ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأُخْفِي ثُمَّ مِنْ ذَا الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحِيطَ بِكُلِّ أَحْوَالِ الْخَلْقِ وَهُمْ أَجْيَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَخْلِقُوا وَقْتَ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَعْرِفُوا لَنَا إلَى الْآنَ بَعْدَ بِضْعَةِ عَشَرَ قَرْنًا مِنْ نُزُولِ هَذَا الْقُرْآنِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ كِتَابُ السَّاعَةِ الَّذِي يُخَاطَبُ الْأَجْيَالَ كَافَّةً حَتَّى يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا فَلَا غُرْو أَنْ يَضَمِّنَهُ مَنْزِلَهُ كُلُّ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الْأُمَمُ عَلَى اخْتِلَافِ أَجْيَالِهَا مِنْ الْمُنَاسَبَاتِ الْمُلَائِمَةِ لِأَحْوَالِهِمْ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قُدْرَةِ أَحَدٍ إلَّا الْعَلِيمَ بِأَسْرَارِ الْخَلْقِ وَخُفْيَاتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فَِي الْأَرْضِ وَمَا بََيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ .
وْمَنْ شَوَاهِد مَا نَذْكُرُ أَنَّنَا نُلَاحِظُ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ أَنَّهَا اُخْتِيرَتْ اخْتِيَارًا يَتَجَلَّى فِيهِ وَجْهُ الْإِعْجَازِ مِنْ هَذَا الِاخْتِيَارِ وَذَلِكَ فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي نَمَرَ بِهَا عَلَى الْقُرُونِ وَالْأَجْيَالِ مُنْذُ نَزَلَ الْقُرْآنُ إلَى الْيَوْمِ فَإِذَا بَعْضَ الْأَجْيَالَ يُفْهَمُ مِنْهَا مَا يُنَاسِبُ تَفْكِيرَهُ وَيُلَائِمُ ذَوْقَهُ وَيُوَائِمُ مَعَارِفِهِ وَإِذَا أَجْيَالٌ أُخْرَى تُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَيْنُهَا غَيْرُ مَا فَهِمْتْهُ تِلْكَ الْأَجْيَالُ وَلَوْ اُسْتَبْدَلَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ بِغَيْرِهَا لَمْ يَصْلُحْ الْقُرْآنُ لِخِطَابِ النَّاسِ كَافَّةً وَكَانَ ذَلِكَ قَدْحًا فِي أَنَّهُ كِتَابُ الدَّيْنِ الْعَامِّ الْخَالِدُ وَدُسْتُورُ الْبَشَرِيَّةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرَ فَسُبْحَانَ مَنْ أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ مُشْبَعًا لِحَاجَاتِ الْجَمِيعِ وَافِيًا تُجَارِبُ الْجَمِيعَ مَلَائِمًا لِأَذْوَاقِ الْجَمِيعِ مُتَّفِقًا وَمَعَارِفُ الْجَمِيعِ مِمَّا يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَحْدَهُ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَاَئِكَةِ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا.
وَلَعَلَّ لَنَا عَوْدَةً لِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ فِي فُرْصَةٍ أُخْرَى فَلِنَمْسِكِ الْقَلَمُ عَنْ الْجَوْلَانِ فِي هَذَا الْمَيْدَانِ وَلِنَرْجِعِ عُوْدًا عَلَى بَدْءٍ إِلَى أُسْلُوبِ الْقُرْآنِ وَلِنَذْكُرِ شَيْئًا مِنْ خَصَائِصِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout