لَا مَحَالَةَ وَإِذَا كَانُوا جَمِيعًا مُؤَوِّلَيْنِ فَقَدْ وَقَعُوا جَمِيعًا فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ اتِّبَاعُ الْمُتَشَابِهَاتِ بِالتَّأْوِيلِ إذْ وَصْفَ سُبْحَانَهُ هَؤُلَاءِ بِأَنَّ فِي قُلُوبِهِمْ زِيْغًا فَقَالَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ .
ونَدْفَعَ هَذِهِ الشُّبْهَةُ أَوَّلًا بِأَنَّ الْقَوْلَ بِكَوْنِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مُجْمَعِينَ عَلَى تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ قَوْلٌ لَهُ وَجْهٌ مِنْ الصِّحَّةِ لَكِنْ بِحَسَبِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَوْ مَا يُقْرَبُ مِنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَمَّا بِحَسَبِ الِاصْطِلَاحِ السَّائِدِ فَلَا لِأَنَّ السَّلَفَ وَإِنْ وَافَقُوا الْخَلْفَ فِي التَّأْوِيلِ فَقَدْ خَالَفُوهُمْ فِي تَعْيِينِ الْمَعْنَى الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ بَعْدَ صَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ وَذَهَبُوا إلَى التَّفْوِيضِ الْمَحْضِ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا التَّعْيِينِ أَمَّا الْخَلْفُ فَرَكِبُوا مَتْنَ التَّأْوِيلُ إلَى هَذَا التَّعْيِينِ كَمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ.
ثَانِيًا أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ السَّلَفَ وَاخْلِفَ جَمِيعًا وَقَعُوا بِتَصَرُّفِهِمْ السَّابِقِ فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ قَوْلُ خَاطِئٍ وَاسْتِدْلَالِهِمْ عَلَيْهِ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ اسْتِدْلَالٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ النَّهْيَ فِيهَا إنَّمَا هُوَ عَنْ التَّأْوِيلِ الْآثِمِ النَّاشِئِ عَنِ الزَّيْغِ وَاتِّبَاعِ الْهَوَى بِقَرِينَةِ قَوْلُهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أَيُّ مَيْلٌ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ وَالْحُجَّةِ إلَى الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ أَمَّا التَّأْوِيلُ الْقَائِمُ عَلَى تَحْكِيمِ الْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ وَاتِّبَاعِ الْهِدَايَةِ الرَّاشِدَةِ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الَّذِي حَظَرَهُ اللَّهُ وَحَرَّمَهُ وَكَيْفَ يَنْهَانَا عَنْهُ وَقَدْ أَمَرْنَا بِهِ ضَمْنًا بِإِيجَابِ رَدِّ الْمُتَشَابِهَاتِ إلَى الْمُحْكَمَاتِ إذْ جَعَلَ هَذِهِ الْمُحَكَّمَاتِ هِيَ أُمُّ الْكِتَابِ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ ثُمَّ كَيْفَ يَكُونُ مِثْلُ هَذَا التَّأْوِيلِ الرَّاشِدِ مُحْرِمًا وَقَدْ دَعَا بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ اللَّهُمَّ فَقْهَهُ فِي الدِّيْنِ وَعِلْمَهُ التَّأْوِيلُ؟.
وَيَتَلَخَّصُ مِنْ هَذَا أَنَّ اللَّهَ أَرْشَدْنَا فِي الْآيَةِ إِلَى نَوْعٍ مِنْ التَّأْوِيلِ وَهُوَ مَا يَكُونُ بِهِ رَدُّ الْمُتَشَابِهَاتِ إِلَى الْمُحْكَمَاتِ ثُمَّ نَهَانَا عَنْ نَوْعٍ آخَرَ مِنْهُ وَهُوَ مَا كَانَ نَاشِئًا عَنِ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ لَا عَلَى الْبُرْهَانِ وَالْحُجَّةِ قَصْدًا إلَى الضَّلَالِ وَالْفِتْنَةِ وَهُمَا لَوْنَانِ مُخْتَلِفَانِ وَضَرْبَانِ بَعِيدَانَ بَيْنَهُمَا بِرُزْخٍ لَاَ يَبْغِيَانِ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout