ثَانِيَتُهَا تَيْسِيرُ حِفْظِ الْقُرْآنِ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ لِأَنَّ كُلَّ مَا احْتَوَاهُ مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِلْخَفَاءِ دَالٌّ عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى مَا يُسْتَفَادُ مِنْ أَصْلِ الْكَلَامِ وَلَوْ عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّانِوِيَةِ الْكَثِيرَةِ بِأَلْفَاظٍ لِخَرَجِ الْقُرْآنِ فِي مُجَلَّدَاتٍ وَاسِعَةٍ ضَخْمَةٌ يَتَعَذَّرُ مَعَهَا حِفْظُهُ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ .
وَكَذَلكَ يَدْرِّكُ الْقَارِئُ لِدَقَّةِ الْقُرْآنِ وَعُلُوٌّ أُسْلُوبَهُ رُوْعَةً وَلَذَّةً تَغْرِّيهِ عَلَى قِرَاءَتِهِ وَتَشْجِعُهُ عَلَى اسْتِظْهَارِهِ وَحِفْظِهُ.
ثَالِثَتُهَا مَا ذَكَرَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ بِقَوْلِهِ مَتَى كَانَتْ الْمُتَشَابَهَاتُ مَوْجُودَةً كَانَ الْوُصُولُ إلَى الْحَقِّ أَصْعَبُ وَأَشَقَّ وَزِيَادَةُ الْمَشَقَّةِ تُوجِبُ مَزِيدَ الثَّوَابِ قَالَ تَعَالَى: ﴿أََمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ .
رابعتِهَا مَا ذَكَرَهُ الْفَخْرُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ بِاشْتِمَالِ الْقُرْآنِ عَلَى الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ يَضْطَرُّ النَّاظِرُ فِيهِ إلَى تَحْصِيلِ عُلُومٍ كَثِيرَةٍ مِثْلِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ وَأُصُولُ الْفِقْهِ مِمَّا يُعَيِّنُهُ عَلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فَكَانَ وُجُودُ الْمُتَشَابِهِ سَبَبًا فِي تَحْصِيلِ عُلُومٍ كَثِيرَةٍ.
خَامِسَتِهَا مَا ذَكَرَهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ بِاشْتِمَالِ الْقُرْآنِ عَلَى الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ يَضْطَرُّ النَّاظِرُ فِيهِ إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ فَيَتَخَلَّصُ مِنْ ظُلْمَةِ التَّقْلِيدِ وَفِي ذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ الْعَقْلِ وَالتَّعْوِيلِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ كُلُّهُ مُحَكَّمًا لِمَا احْتَاجَ إلَى الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَلَظِلِّ الْعَقْلِ مُهْمَلًا اهـ.
مُلَاحِظَةَ:
يُمْكِنُ اعْتِبَارُ بَعْضِ هَذِهِ الْحُكْمِ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ كَمَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ بَعْضِ حُكْمِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ هُنَا لَكِنْ بِشَيْءٍ مِنْ التَّكْلِيفِ وَلَقَدْ رَاعَيْنَا مَا يَجِبُ أَنَّ تُرَاعِيَهُ مِنْ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْحُكْمِ لَا تَتَأَتَّى إلَّا فِي أَنْوَاعٍ خَاصَّةٍ مِنْ الْمُتَشَابِهَاتِ وَلَكِنَّ الْمَجْمُوعَ يَتَحَقَّقُ فِي الْمَجْمُوعِ وَذَلِكَ كَافٍ فِي صِحَّةِ هَذَا الْعَرْضِ فَاكْتَفَ أَنْتَ بِهِ وَلَاحِظُهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout