وَالْخَفَاءُ لَمْ يَجِيءْ نَاحِيَةً غَرَابَةً فِي اللَّفْظِ أَوْ اشْتِرَاكٍ فِيهِ بَيْنَ عِدَّةِ مَعَانٍ أَوْ إيجَازٍ أَوْ إطْنَابٍ مَثَلًا فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَعْنَى وَحْدَهُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَا كَانَ التُّشَابُهُ فِيهِ رَاجِعًا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مَعًا لَهُ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا قَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ فَإِنَّ مَنْ لَا يُعْرَفُ عَادَةَ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُفْهَمَ هَذَا النَّصُّ الْكَرِيمَ عَلَى وَجْهِهِ وَرَدَّ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانُوا إذَا أَحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَائِطًا وَلَا دَارًا وَلَا فُسْطَاطًا مِنْ بَابٍ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدْرِ نَقِبَ نَقْبًا فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَبَرِ خَرَجَ مِنْ خَلْفِ الْخَبَاءِ فَنَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا، وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى، وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
فهَذا الْخَفَاءُ الَّذِي فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَرْجِعُ إلَى اللَّفْظِ بِسَبَبِ اخْتِصَارِهِ وَلَوْ بَسَطَ لَقِيلٍ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا إذَا كُنْتُمْ مُحْرِمِينَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَيَرْجِعُ الْخَفَاءُ إلَى الْمَعْنَى أَيْضًا لِأَنَّ هَذَا النَّصَّ عَلَى فَرْضِ بَسْطِهِ كَمَا رَأَيْتُ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَإِلَّا لِتَعَذُّرَ فَهْمَهُ.
قَالَ الرَّاغِبُ فِي مُفْرَدَاتِ الْقُرْآنِ الْمُتَشَابِهِ بِالْجُمْلَةِ ثَلَاثَةُ أَضْرَبُ مُتَشَابِهُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ فَقَطْ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَقَطْ وَمِنْ جِهَتِهِمَا فَالْأَوَّلُ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا يَرْجِعُ إلَى الْأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ إمَّا مِنْ جِهَةِ الْغَرَابَةِ نَحْوَ الْأَبِ وَيَزِفُونَ أَوْ الِاشْتِرَاكُ كَالْيَدِ وَالْيَمِينِ وَثَانِيهِمَا يَرْجِعُ إلَى جُمْلَةِ الْكَلَامِ الْمُرَكَّبِ وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَضْرِبُ ضَرْبٌ لِاخْتِصَارِ الْكَلَامِ نَحْوُ ﴿ُوَإِِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ﴾ وَضَرَبُ لِبَسْطِهِ نَحْوُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لأنَّه لَوْ قِيلَ لَيْسَ مِثْلُهُ شَيْءٌ كَانَ أَظْهَرُ لِلسَّامِعِ وَضَرْبَ لِنَظْمِ الْكَلَامِ نَحْوُ ﴿َالِْحَِمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّمًا﴾ تَقْدِيرُهُ أَنْزَلَ عَلِى عَبْدِهِ الْكِتَابُ قَيَّمًا وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوْجًا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout