ذَلِكَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَلَكِنَّ بَعْضَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ يَقُولُونَ إنَّ النَّسَخَ بِغَيْرِ بَدَلٍ لَا يَجُوزُ شَرْعًا وَشُبْهَتُهُمْ فِي هَذَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ووَجْهُ اشْتِبَاهُهِمْ أَنَّ الْآيَةَ تُفِيدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُؤْتَى مَكَانَ الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ بِحُكْمٍ آخَرَ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ أَوْ مِثْلِهِ وَلَكِنَّهَا شُبْهَةٌ مَدْفُوعَةٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ النَّصَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحْتِجَاجُهُمْ بِآيَةٍ ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ عَلى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ احْتِجَاجُ دَاحِضٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا نُسِخَ حُكْمُ الْآيَةِ بِغَيْرِ بَدَلٍ فَهَمْنَا بِمُقْتَضَى حِكْمَتِهِ أَوْ رِعَايَتِهِ لِمَصْلَحَةِ عِبَادِهِ أَنَّ عَدَمَ الْحُكْمِ صَارَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ فِي نَفْعِهِ لِلنَّاسِ وَصَحَّ أَنْ يُقَالَ حِينَئِذٍ إِنَّ اللَّهَ نُسَخَ حُكْمُ الْآيَةِ السَّابِقَةِ وَأَتَى بِخَيْرٍ مِنْهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ الَّذِي بَاتَ فِي وَقْتِ النُّسَخِ أَنْفَعُ لِلنّاسِ وَخَيْرًا لَهُمْ مِنَ الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ وَمَعْنَى آيَةٍ ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ لا يَأْبِى هَذَا التَّأْوِيلَ بَلْ يَتَنَاوَلُهُ كَمَا يَتَنَاوَلُ سِوَاهُ وَالنَّسَخُ فِيهَا أَعَمُّ مِنْ نُسَخِ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ مُجْتَمِعِينَ وَمُنْفَرِدِينِ بِبَدَلٍ وَبِغَيْرِ بَدَلٍ وَالْخَيْرِيَّةِ وَالْمِثْلِيَّةِ فِيهَا أَعَمُّ مِنْ الْخَيْرِيَّةِ وَالْمِثْلِيَّةِ فِي الثَّوَابِ وَفِي النَّفْعِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى أَدِلَّةِ النُّسَخِ عَقْلا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout