١ - شُبْهَاتُ الْمُنْكَرِينَ لِجَوَازِهِ عَقْلَا
لَا رَيْبٌ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُنْكَرِينَ لِجَوَازِ النُّسَخِ عَقْلًا هُوَ أَخْطَرُ الْمَذَاهِبُ وَأَشْنَعَهَا وَأَبْعَدَهَا عَنْ الْحَقِّ وَأَوْغَلَهَا فِي الْبَاطِلِ وَمُجَرَّدُ إنْكَارِهِ الْجَوَازَ الْعَقْلِيُّ يَسْتَلْزِمُ إنْكَارَ الْوُقُوعِ الشَّرْعِيِّ وَهَلْ يَقَعُ فِي الْوُجُودِ مَا أَحَالَهُ الْعَقْلُ لِهَذَا نَبْدَأُ بِتَفْنِيدِ هَذَا الْمَذْهَبِ وَدَفَعِ شُبْهَاتِهِ.
الشُّبْهَةِ الْأُولَى وَدَفْعَهَا:
يَقُولُونَ لَوْ جَازَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَنْسَخَ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِهِ لَكَانَ ذَلِكَ إمَّا لِحِكْمَةٍ ظَهَرَتْ لَهُ كَانَتْ خَافِيَةً عَلَيْهِ وَإِمَّا لِغَيْرِ حِكْمَةٍ وَكُلُّ هَذَيْنِ بَاطِلٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَجْوِيزُ الْبَدَاءِ وَالْجَهْلِ بِالْعَوَاقِبِ عَلَى عَلَامِ الْغُيُوبِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَجْوِيزُ الْعَبَثِ عَلَى الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ وَالْبَدَاءِ وَالْعَبَثُ مُسْتَحِيلَانِ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ فَمَا أَدَّى إلَيْهِمَا وَهُوَ جَوَازُ النَّسَخِ مُحَال.
وَنَدْفَعُ هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِأَنْ نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى مَا شَاءَ مِنْ أَحْكَامِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى حِكْمَةٍ كَانَتْ مَعْلُومَةً لَهُ أَوَّلًا ظَاهِرَةً لَمْ تُخَفْ عَلَيْهِ وَلَنْ تَخْفَى عَلَيْهِ أَبَدًا غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ مَصَالِحَ الْعِبَادِ تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْأَزْمَانِ وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَأَسْرَارِهِ وَحُكْمِهِ سُبْحَانَهُ لَا تَتَنَاهَى وَلَا يُحِيطُ بِهَا سِوَاهُ فَإِذَا نُسِخَ حُكْمًا بِحُكْمٍ لَمْ يَخْلْ هَذَا الْحُكْمَ الثَّانِي مِنْ حِكْمَةٍ جَدِيدَةٍ غَيْرِ حِكْمَةِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ هِيَ مَصْلَحَةٌ جَدِيدَةٌ لِلْعِبَادِ فِي الْحُكْمِ الْجَدِيدِ أَوْ هِيَ غَيْرُ تِلْكَ وَسُبْحَانَ مَنْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيٍّ عِلْمًا وَإِذْنٍ فَلَا يَسْتَلْزِمُ نَسْخُ اللَّهِ لِأَحْكَامِهِ بِدَاءً وَلَا عَبْثًا.
وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْجَاحِدِينَ غَفَلُوا أَوْتَغَالِفُوا عَنْ هَذَا حَتَّى جَاءَ التَّرْدِيدُ فِي شُبْهَتِهِمْ نَاقِصًا لَمْ يَسْتَوْفِ وُجُوهُ الِاحْتِمَالَاتِ كَمَا تَرَى وَلَوْ اسْتَوْفُوهُ لَقَالُوا النَّسَخَ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِحِكْمَةٍ ظَهَرَتْ لِلَّهِ كَانَتْ خَافِيَةً عَلَيْهِ أَوْ لِحِكْمَةٍ كَانَتْ مَعْلُومَةً لَهُ لَمْ تَكُنْ خَافِيَةً عَلَيْهِ أَوْ لِغَيْرِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout